تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول السيد أمير علي: «إن النظام الإداري والسياسي للإدارات الإسلامية في عهد الدولة الأموية لم يكن من عمل معاوية، بل إن عبد الملك هو المؤسس الحقيقي لهذا النظام، فهو الذي صبغ الإدارة المالية بالصبغة العربية، وبتحويله الدواوين إلى العربية تقلص نفوذ أهل الذمة والمسيحيين من غير العرب.»

24

ديوان الطومار والطراز

وفي عهد عبد الملك وجد ديوان الطراز والطومار، أما الطراز فهو أن ترسم أسماء الملوك والسلاطين وعلاماتهم على الأثواب والأقمشة الحريرية والديباجة الخاصة بهم.

25

وأما الطومار فهو الأوراق الرسمية التي تكتب عليها الرسائل السلطانية والوثائق الدولية. وقد كانت هذه الطرز والطوامير تصنع بمصر، وقد ظلت كذلك إلى زمن عبد الملك، فلما نقل الدواوين إلى العربية أمر بترجمة ما يكتب عليها، فإذا هو «باسم الآب والابن والروح القدس» فأكبر ذلك، وقال: ما أغلظ هذا في أمر الدين والإسلام، وكتب إلى أخيه عبد العزيز - أمير مصر - بإبطال هذا الطراز، واستبداله بالشهادة، ومعاقبة من يخالف ذلك. وكانت الطرز والطوامير ترسل من مصر إلى بلاد الروم - كما كانت الدنانير تضرب في بلاد الروم، وترسل إلى بلاد الإسلام - فلما وصلت الطوامير والطرز على الشكل الجديد إلى بلاد الروم، استنكر الإمبراطور ذلك، وكتب إلى عبد الملك «أن عمل القراطيس بمصر وسائر ما يطرز هناك للروم، ولم يطرز بطرزهم، فإن كان من تقدمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت، وإن كنت قد أصبت فقد أخطئوا، فاختر إحدى الحالتين.» وبعث إليه الكتاب مع هدية يسترضيه بها، ويدعوه إلى الرجوع عما بدأ به، فرد عليه عبد الملك هديته، وأخبر الرسول أنه لا رد عنده على الرسالة. فكرر الإمبراطور رسائله وعبد الملك لا يجيب. ثم إن الإمبراطور غضب وكتب إليه: «إنكم أحدثتم في قراطيسكم ما نكرهه، فإن تركتموه وإلا أتاكم من الدنانير من ذكر نبيكم ما تكرهونه.» فاستاء عبد الملك واستشار خالد بن يزيد، فقال له: يا أمير المؤمنين حرم دنانيرهم فلا يتعامل بها، واضرب للناس سككا، ولا تعف هؤلاء الكفرة مما كرهوا في الطوامير.

26

فاستمر عبد الملك في عمله، وكان ذلك حافزا له على ضرب العملة العربية.

سك العملة

رأينا في النقطة الرابعة من الباب الخامس للفصل الأول أن عمر بن الخطاب كان أول من ضرب الدراهم على النمط الفارسي، وأنه زاد عليها في بعضها: «الحمد لله»، وفي بعضها: «محمد رسول الله»، وأن معاوية ضرب بعض الدراهم والدنانير، وكذلك فعل بعض عماله في العراق، ولكن هذا كله لم يكن شيئا جوهريا؛ فقد استمرت الدنانير البيزنطية والدراهم الفارسية مسيطرة على النظام النقدي الإسلامي إلى عهد عبد الملك. وقد كانت الدراهم المعروفة في العالم الإسلامي إلى زمن عبد الملك هي: (1)

الدرهم البغلي: ويزن 20 قيراطا = 8 دوانيق =

غرام. (2)

الدرهم الطبري: ويزن 10 قراريط = 4 دوانيق =

غرام. (3)

الدرهم الجوراقي: ويزن 12 قيراط =

دانق = 3,4 غرام. (4)

الدرهم اليمني: ويزن ... = 1 واحد =

غرام. (5)

الدرهم المغربي: ويزن ... = 3 دوانيق = 2,125 غرام.

27

ولم يغير الأمويون قبل عبد الملك في نظام العملة، فلما تولى عبد الملك وبدأ إصلاحاته، رأى ضرورة إيجاد دار لضرب العملة في دمشق بعد إلغائه التعامل بالعملة الأجنبية من دينار رومي ودرهم فارسي.

28

قال البلاذري: كانت الدراهم من ضرب الأعاجم مختلفة، كبارا وصغارا، وكانت دنانير هرقل ترد على أهل مكة في الجاهلية، وترد عليهم دراهم الفرس البغلية، فكانوا لا يتبايعون بها إلا على أنها تبر، فأقر ذلك رسول الله، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية، ثم ضرب مصعب بن الزبير في أيام عبد الله بن الزبير دراهم قليلة، كسرت بعد. فلما ولي عبد الملك بن مروان وفحص عن أمر الدراهم والدنانير، فكتب إلى الحجاج بن يوسف أن يضرب الدراهم على خمسة عشر قيراطا من قراريط الدنانير، وضرب هو الدنانير الدمشقية؛ فأول من ضرب الذهب عبد الملك عام الجماعة سنة 74، والحجاج ضرب الدراهم آخر سنة 75ه، ثم أمر بضربها في جميع النواحي سنة 76.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٧٥