تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنظيمات الضرائب والخراج وما إلى ذلك

ذكرنا في الفقرة الثامنة من الباب الخامس في الفصل الأول شيئا عن التنظيمات والضرائب التي كانت على عهد معاوية والخلفاء من قبله؛ وقد استمرت التنظيمات المالية التي أدخلها معاوية على نظام الجزية والخراج؛ فقد كتب إلى وردان مولى عمرو بن العاص في مصر أن زد على كل امرئ من القبط قيراطا، فكتب إليه وردان كيف أزيد عليهم وفي عهدهم ألا يزاد عليهم؟! فقد كتب لهم عمرو أنهم آمنون على أموالهم ودمائهم ونسائهم وأولادهم، لا يباع منهم أحد، وفرض عليهم خراجا لا يزاد عليهم، وأن يدفع عنهم خوف عدوهم.

17

ويظهر أن الخلفاء بعد معاوية قد زادوا بعض الضرائب والموارد المالية، فلما جاء عمر بن عبد العزيز أمر بإعادة الحال إلى ما كانت عليه أيام الخلفاء الراشدين؛ فألغى الضرائب الجائرة، ومنها هدايا النيروز والمهرجان.

18

فلما جاء عبد الملك استقل الجزية التي كان يدفعها أهل الجزية، فكتب إلى واليه عليها الضحاك بن عبد الرحمن الأشعري أن يزيدها عليهم، فأحصى العامل «الجماجم»، وأحصى ما يكسبه الواحد في سنة، ثم طرح نفقته مع عيالهم وكسوتهم، وطرح أيام الأعياد في السنة فوجد أن الذي يحصل بعد ذلك في السنة لكل واحد أربعة دنانير، فألزمهم ذلك جميعهم، وجعلهم كلهم طبقة واحدة؛

19

أي إنه لم يفرق بين الأغنياء والمتوسطين، وكذلك أعيدت (ضرائب هدايا النيروز والمهرجان) التي قدرت في عهد معاوية بمبلغ عشرة ملايين درهم.

20

و«ضريبة أجرة سك العملة» و«ضريبة الصحف» التي تكتب عليها المعاملات الرسمية و«ضريبة النكاح» و«ضريبة أجرة البيوت» و«ضريبة الجزية والخراج» من المسلمين، مع أن الإسلام يمنع ذلك منعا باتا، ولكن الموارد كانت قد قلت، فاضطر الخلفاء وعمالهم إلى أخذ هذه الضرائب منهم من جديد، بعد أن كان عمر بن عبد العزيز قد ألغاها.

تعريب الدواوين

قال البلاذري: «لم يزل ديوان الشام بالرومية حتى ولي عبد الملك بن مروان، فلما كانت سنة 81 أمر بنقله؛ وذلك أن رجلا من كتاب الروم احتاج أن يكتب شيئا فلم يجد ماء، فبال في الدواة، فبلغ ذلك عبد الملك فأدبه، وأمر سليمان بن سعد بنقل الديوان، فسأله أن يعينه بخراج الأردن سنة، ففعل ذلك وولاه الأردن، فلم تنقض السنة حتى فرغ من نقله، وأتى به عبد الملك فدعا بسرجون كاتبه فعرض ذلك عليه، فغمه وخرج من عنده كئيبا، فلقيه قوم من كتاب الروم فقال: اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة، قد قطعها الله عنكم.»

21

وكما فعل عبد الملك بديوان الشام فعل الحجاج بديوان فارس؛ فقد روى البلاذري أيضا قال: «لم يزل ديوان خراج السواد وسائر العراق بالفارسية، فلما ولي الحجاج العراق استكتب زادان فروخ بن بيري، وكان معه صالح بن عبيد الرحمن مولى بني تميم يخط بين يديه بالعربية والفارسية»، ووصل زادان فروخ صالحا بالحجاج، فخف على قلبه، فقال له ذات يوم: إنك سببي إلى الأمير، وأراه قد استخفني ولا آمن أن يقدمني عليك وأن تسقط، فقال: لا تظن ذلك، هو أحوج إلي منه إليك؛ لأنه لا يجد من يكفيه حسابه غيري، فقال: والله لو شئت أن أحول الحساب إلى العربية لحولته، قال: فحول منه شطرا حتى أرى، ففعل، ولما قتل زادان فروخ استكتب الحجاج صالحا، فأعلمه الذي كان جرى بينه وبين زادان في نقل الديوان، فعزم الحجاج على أن يجعل الديوان بالعربية، وقلد ذلك صالحا، وكان عبد الحميد بن يحيى، كاتب مروان يقول: لله در صالح، ما أعظم منته على الكتاب.»

22

ولا ندري من الذي بدأ بالعمل عبد الملك أو الحجاج؟ ومهما يكن من أمر، فإن التعريب قد تم في عهد عبد الملك. أما ديوان مصر فقد نقل من اليونانية إلى العربية في عهد ابنه الوليد.

23

يقول الدكتور حسن إبراهيم: أما مصر فكانت اللغتان اليونانية والعربية مستعملة في دواوين الحكومة؛ الأولى على أنها اللغة الرسمية التي كانت تدون بها الأعمال في تلك الدواوين، والثانية لأنها لغة الحاكم العربي. وقد لوحظ في بعض الأوراق البردية التي عثر عليها الباحثون كتابات باللغة القبطية في أسفل الصحف أو في ظهرها إلى جانب اللغتين اليونانية والعربية؛ مما يدلنا على أنها كانت في الدرجة الثالثة من الأهمية. وقد ظلت الدواوين تدون باليونانية في مصر إلى أن انتقلت الخلافة إلى الوليد، فسار على سياسة أبيه في تعريب الدواوين فحول ديوان خراجها إلى العربية، وقام بتنفيذ هذه السياسة واليه على مصر عبد الله بن عبد الملك بن مروان (86-90ه).

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٧٤