14
ولكن المحاولات العربية لفتح القسطنطينية لم تقف؛ ففي عهد يزيد وعبد الملك وفي عهد سليمان، كانت الحملات تشن في البحر على السفن الرومية. وقد استخدم المسلمون النفط والمدفعية في حروبهم البحرية مع الروم.
15
وقد بلغ عدد الأسطول الإسلامي في عهد سليمان بن عبد الملك الذي بعث أخاه مسلمة لفتح القسطنطينية ألفا وثمانمائة سفينة، بعد أن فشلوا في البر والبحر، وقد كان من أعظم أسباب هذا الفشل طول مدة الغزو، والحيلة التي قام بها البون للفتك بالمسلمين، وقد ذكرها ابن عساكر حيث يحدثنا في ترجمة شرحبيل بن عبيدة بن قيس العقيلي، وكان من الفرسان الذين شهدوا هذه الغزوة للقسطنطينية مع مسلمة، أن البون كتب إلى صاحب برجان يقول له: بلغك نزول العرب بنا وحصارهم إيانا، وليسوا يريدوننا خاصة دون غيرنا من جماعة من يخالف دينهم، وإنما يقاتلون الأقرب فالأقرب والأدنى فالأدنى، فإذا كنت صانعا «شيئا» - يوم نؤتيهم الجزية علينا عنوة، ثم يفضون إليك وإلى غيرك - فاصنعه يوم يأتيك «كتابي» هذا.
فكتب صاحب برجان إلى مسلمة: «أما بعد، فقد بلغنا نزولك بمدينة الروم، وبيننا وبينهم من العداوة ما قد علمتم، وكل ما وصل إليهم فهو لنا سار، فمهما احتجت إليه من مدد أو عون أو مرفق، فأعلمنا يأتيك منه ما أحببت.»
فكتب إليه مسلمة: «إنه لا حاجة لنا بمدد ولا عدة، ولكننا نحتاج إلى الميرة والسوق، فابعث إليه ما استطعت.»
فكتب إليه صاحب برجان: «إني قد وجهت إليك سوقا عظيما، فيه كل ما أحببت من باعة، يضعفون عن النفوذ إليكم به ممن يمرون به من حصون الروم، فابعث من يجوز به إليك.» فوجه إليهم خيلا عظيمة، وولى عليهم، ونادى في العسكر: ألا من أراد البيع والشراء فليخرج. فخرج عدد عظيم من غير خوف ولا حذر، حتى أفضوا إلى عسكر السوق في مرج واسع، حتى ضاقت بهم الجبال وكتائب برجان في تلك الجبال وغياضه، فلما نزلوا شدت عليهم الكتائب، فقتلوا ما شاءوا وتضعضع جند مسلمة.
16
وهلكت سفنه الثمانمائة وألف، ولم ينج منها إلا خمسة، فاضطر الخليفة عمر بن عبد العزيز أن يستدعي مسلمة، ويستنفر المسلمين لإرسال العدد والطعام والخيل إلى إخوانهم في بلاد الروم، فرجعوا، وكانت هذه الحملة في البر والبحر آخر الحملات الكبرى، التي قام بها المسلمون نحو بلاد الروم، وأما الحملات التي في العصر الأموي فلم تكن ذات بال.
وصفوة القول: إن الجيش الأموي بنوعيه من بري وبحري قد قوي قوة هائلة، فاستطاع أن يفتح العالم المتمدن القديم من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب؛ وما ذلك إلا لتنظيمه وقوته وكثرة عدده. ويلاحظ أن الجيش الأموي كان مرتبا على أحسن التراتيب المعروفة عند الروم والساسانيين. أما تنظيم جنود الجيش فلم يكن صفوفا صفوفا، وإنما كان على شكل كراديس - أي كتل صغيرة - تنجد الواحدة الأخرى، ويقال: إن أول من اقتبس هذا النظام البيزنطي هو خالد بن الوليد وطبقه في معركة اليرموك. (5) العمالة
برز في العهد الثاني من العصر الأموي عمال ذوو كفايات جبارة. ولا غرو؛ فإن اتساع رقعة الإمبراطورية، وعظم مسئولية الخليفة اضطرتاه أن يتنازل عن سلطاته الكبرى إلى عمال يثق بهم، ويتخيرهم من أولي العقل الواسع والإدارة الجيدة والإخلاص للدولة، ولعل أبرز هؤلاء العمال اسما: الحجاج بن يوسف الثقفي، وموسى بن نصير، ومحمد بن القاسم الثقفي، وقتيبة بن مسلم، وغيرهم من عظماء التاريخ الإسلامي. وقد كان العامل ممثلا للخليفة في أمور الدنيا والدين، يقوم بما يقوم به الخليفة في العامة؛ فيخطب الناس ويؤمهم، ويتولى إدارة البلاد وبعث القوات للغزو والفتح، ويولي القيادات والإمارات من يراه كفأ لها من أهل بيته، أو من كبار رجاله حاشيته. (6) التنظيمات الإدارية
نظم عبد الملك بن مروان تراتيب الدولة ترتيبا جعل المؤرخين يعتبرونه المنظم الحقيقي لشئون الدولة من إدارية ومالية وديوانيات وما إلى ذلك: