8
وقد عني المسلمون في العصر الأموي - وبخاصة في عهدي معاوية وعبد الملك - بالرماية وتدريب الناس على ركوب الخيل، وإقامة الحصون والقلاع، والسفن البحرية المحصنة. وقد كان الرماة في البر والبحر أعظم عناصر الجيش العربي، وكان الرجالة يقفون في صفوف متراصة يتقدمهم حاملو الرماح لصد المهاجمين، ويرتدون أقبية قصيرة إلى ما تحت الركبة وسراويل تساعدهم على المشي، وكانت وسائل النقل هي الخيل والبغال والجمال، كما كان الكثير من الجنود يقطعون المسافات القريبة مشيا، وكانوا إذا خيموا في أرض يقيمون الأكواخ أول الأمر، فإذا استقاموا بنوا العشش، ثم إذا طال بهم الأمر بنوا المعسكرات الدائمة والقلاع، وإذا ما دخلوا بلادا لم يمكن الخليفة أو الأمير من الاختلاط بالأهلين، بل يبنون لهم المدن، ويختطون لها الخطط كالبصرة والكوفة في العراق، والفسطاط في مصر، والقيروان في إفريقية.
والبحرية الأموية تجربة نشأت في أيام عثمان بإشراف معاوية - كما رأينا ذلك قبلا - وقد استمر الخلفاء من بعده، وخاصة عبد الملك والوليد وسليمان في تقويتها.
9
وإعداد العدد اللازمة كل عام؛ لغزو الشاتية والصائفة. وقد تم للعرب في هذه الفترة فتح جزائر البحر الأبيض المتوسط، وغزو أوروبا الجنوبية الغربية، وقد كان لتقدم العرب في البحر وصناعة السفن تأثير كبير في البحرية الغربية، الذي نقلت عنها البحارة العرب المسلمين كثيرا من المصطلحات، وما تزال تحتفظ بها إلى أيامنا هذه.
وكانت أخشاب السفن من «لبخ وسنديان وأرز»، تستورد من أوروبا عن طريق موانئ إيطاليا، أو من جبل لبنان. وكان عند العرب نوعان من السفن: نوع يسير في البحر الأبيض المتوسط، ونوع يسير في المحيط الهندي والبحر الأحمر، وكان النوع الأول أضخم، توضع فيه مسامير الحديد، أما النوع الثاني فكان أصغر، ولا توضع فيه المسامير بل يخاط بحبال الليف والقنبار
10
خوفا من جبال المغناطيس وهي جبال كثيرة علاها الماء.
11
والسفن الضخام تتسع لبضعة آلاف رجل مقاتل مع عددهم وأغذيتهم وشرابهم وحبالهم وسفن النجاة.
ويظهر أن أعظم الموانئ الإسلامية في البحر الأبيض المتوسط كان مدينة طرسوس المهيمنة على مراكز الدفاع عن داخلية البلاد، ومدخل البلاد الجنوبية الشهيرة بأبواب قليقية وهو ممر طوروس، فجعلها العرب قاعدة حملاتهم الحربية على الروم. ولا تبعد طرسوس أكثر من أربعمائة وخمسين ميلا من البوسفور في خط مستقيم.
12
ويظهر أن قتال العرب في البحر في أيام معاوية كان قتالا عربيا؛ فإنهم لعدم معرفتهم بالبحر وأساليب القتال فيه قد قاتلوا على طريقة قتالهم البري، فقد وصف لنا الطبري أول معركة بحرية كبرى جرت بين المسلمين والغرب، وهي المعروفة بمعركة ذات الصواري؛ أنهم ربطوا السفن العربية إلى السفن البيزنطية، وتواثب الرجال على الرجال يقتتلون بالسيوف والرماح، ويتواجئون بالخناجر، حتى صار ماء البحر ممزوجا بالدم، وأن الدم قد غلب عليه، وأن الأمواج قد طرحت جثث القتلى ركاما.
13
وكان فوز العرب عظيما، ولكن مقتل عثمان وما تلاه من الفتن حال دون فتح القسطنطينية، على الرغم من المحاولات الكثيرة، ويظهر أن النار اليونانية هي التي وقفت أمام المسلمين، ففتكت بسفنهم وحالت دون أمانيهم. وقد نقل الدكتور حتي عن «تيوفانس» وصف تلك النار فقال: ولقد قيل إن المدينة نجت من أيدي العرب بفضل النار اليونانية. وقد كانت من مادة شديدة الالتهاب، بحيث تلتهب على سطح الماء، ويعزى اكتشافها إلى مهاجر دمشقي اسمه «كالينيكوس». وقد أسهبت المراجع في ذكر هذه النار، ووصف ما أنزلته من الضرر بسفن العرب، كذلك أكد أغابيوس المنبجي - الذي أخذ عن تيوفانس - أن الروم قد تعودوا استخدام النار في الحرب، وكانوا أسبق الشعوب إلى استعمالها.