ودخل الشاميون المنهزمون دمشق، وكان أول ما عملوه أن قتلوا ولدي الوليد خوفا من أن يقدم مروان، ويخرجهما من الحبس، ويقتلان قتلة أبيهما، وانتهب سليمان بن هشام بيت المال هو والجند، وهرب إبراهيم فاختفى، ودخل جند مروان إلى دمشق ومروان من ورائهم.
الفصل العاشر
| مروان بن محمد
127-132ه/744-749م (1) أوليته
هو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، وأمه لبابة الكردية، ولد بدمشق سنة 73ه، وكان من أحزم بني أمية وأكثرهم تدبيرا، نشأ في دمشق كما ينشأ شباب العرب، فقرأ القرآن وحفظ الشعر، وتأدب بآداب العرب، وكان مؤدبه الجعد بن درهم أحد أئمة الكلام، وأول من قال بنفي القدر، وكان يقول بخلق القرآن ونفي الصفات الأزلية عن الله سبحانه.
1
ولقب مروان بالجعدي نسبة إلى أستاذه ولتحمسه لمذهبه، وكان الناس من أعدائه يذمونه وينادونه: يا جعدي يا معطل.
2
وذكر ابن القيم في الصواعق المرسلة أن كلام الجعد نفق عند الناس؛ لأنه كان معلم مروان وشيخه.
3
كما لقب بالحمار لصبره في الحرب.
4 (2) خلافته
رأينا كيف تم استخلاف مروان في دمشق، فلم يلبث أهل حمص إلا ثلاثة أشهر، حتى ثاروا عليه بزعامة ثابت بن نعيم، فسار إليهم مروان سنة 127، ودخل المدينة ففتك بالثائرين، وهرب ثابت إلى فلسطين، ولم يلبث أن جاءه أن أهل الغوطة ثاروا وحاصروا دمشق بزعامة يزيد بن خالد القسري، فبعث إليهم مروان من حمص أبا الورد بن الكوثر، وعمرو بن الوضاح في عشرة آلاف، ففتكوا بالثوار، وحرقوا المزة من قرى اليمانية.
وفي تلك السنة أيضا ثار أهل فلسطين بزعامة ثابت بن نعيم، الذي هرب من حمص فأتى طبرية، فكتب مروان إلى أبي الورد وابن الكوثر أن يلحقا به، فأدركاه وفتكا به، ورجع مروان إلى دمشق فبايع لولديه عبيد الله وعبد الله، وزوجهما ابنتي هشام بن عبد الملك، وجمع بذلك أمر بني أمية، فاستقامت له الشام، ما خلا تدمر، فبعث إليها الأبرش بن الوليد وسليمان بن هشام فقضيا على أهلها ، وبذلك هدأت ديار الشام ففرق فرق الثوار إلى العراق، ولكن ذلك الهدوء لم يلبث طويلا؛ إذ ثار سليمان بن هشام بن عبد الملك بقنسرين، فأتاه مروان فهزمه، ففر سليمان إلى تدمر.
5
أما العراق فقد بعث إليه مروان النضر بن الحرشي، فثار عليه الضحاك بن قبب الشيباني الخارجي، وجرت بين الاثنين معارك كثيرة، انتهت بخضوع الضحاك ثم قتله في سنة 128. ثم إن مروان سير يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق؛ لقتال من فيه من الخوارج، فقاتل المثنى بن عمران العائذي، خليفة الخوارج في العراق، فهزمهم ابن هبيرة، واستولى على العراق والماهين والجبل. غير أن الشيعة العلوية والعباسية والخوارج أخذت تعمل بقوة في الخفاء؛ أما الخوارج فإنهم بعد أن فقدوا الضحاك زعموا عليهم أبا حمزة الخارجي، وكان قويا نشيطا يزور مكة كل سنة، ويحرض المسلمين على حرب الأمويين، فتبعه كثيرون، واشتد أمره، وتبعه جماعات في الحجاز والعراقين، ثم إنه جاء إلى عبد الله بن يحيى العلوي الملقب بطالب الحق في سنة 128، وقال له: اسمع كلاما حسنا، إني أراك تدعو إلى حق، فانطلق معي، فإني رجل مطاع في قومي. فخرج معه حتى أتيا اليمن وحضرموت، فبايعه أبو حمزة وجماعته بالخلافة، ودعا إلى قتال مروان وبني أمية، ثم خرج في سنة 129 إلى مكة، وكان عليها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الله، فهادنهم إلى أن ينتهي موسم الحج، فلما انتهى الموسم، سار عبد الواحد إلى المدينة، وزاد في أعطيات أهلها، ودعاهم إلى قتال أبي حمزة، ولما التقى الجمعان في قديد تشتت المدنيون، وهرب عبد الواحد إلى الشام، ودخل أبو حمزة المدينة في صفر سنة 130 وأحسن السيرة فيها، وقال لأهلها: علينا الآن أن نغزو بني أمية الظالمين في عقر دارهم، فتوجه بهم إلى دمشق، فبعث إليهم مروان أربعة آلاف، عليهم عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي، فالتقوا بهم بوادي القرى، فقتل أبو حمزة، وسار عبد الملك حتى أتى المدينة ثم اليمن فقتل طالب الحق.