2
وبتلك السنة خرج مسعود بن أبي يزيد العبدي زعيم خوارج اليمامة، فلقيه صاحبها سفيان بن عمرو العقيلي، وجرت بين الطرفين معارك.
وفي تلك السنة ثار مصعب بن محمد الوالبي الخارجي بالخورنق وقوي أمره، حتى بلغ الموصل، ومات يزيد وهم أقوياء، إلى أن فتك بهم خالد القسري في عهد هشام. (3) الغزو في عهده
في سنة 102 سار سعد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص المعروف بسعيد خذينة - صهر مسلمة بن عبد الملك، وأميره على خراسان - إلى غزو الترك، فغزاهم عند سمرقند، وكادوا يفتكون به وبجنده، فاستطاع أن يخلص، فجمع جموعه وسار حتى بلغ «بلخ» وغزا الصغد؛ لأنهم أعانوا الترك، وكانت الحرب سجالا بين الجانبين، ولم يصنع المسلمون عملا يذكر؛ لأن سعيدا كان رجلا مضعفا.
3
وفي تلك السنة غزا عمر بن هبيرة بلاد الروم من ناحية أرمينية وهو على الجزيرة، فأسر منهم كثيرا، كما غزاهم عباس بن الوليد بن عبد الملك فافتتح دلسة.
وفي سنة 103 عزل مسلمة بن عبد الملك عن خراسان والعراق وتولاهما عمر بن هبيرة، فلما سمع بذلك خافوه لما سمعوا عنه، فجمعوا إليه خراج بلادهم وأعلنوا طاعتهم.
4
وفي سنة 104 عزل عمر بن هبيرة سعيد خذينة عن خراسان، وولاها سعيد بن عمرو الحرشي، وكان فتاكا، فقطع النهر وغزا الصغد وأسر من أمرائهم عددا وغنم مغانم كثيرة
5
أصاب الواحد منها ثلاثمائة دينار، وكان عددهم بضعة وثلاثين ألفا، وتسامع ملوك الأطراف بذلك، فقدموا إليه خاضعين مصالحين، وكان هذا أعظم الفتوح التي جرت في عهد يزيد. (4) موته وبعض سيرته
كان يزيد فتى شديد العاطفة، أغرم غراما شديدا بجارية رائعة الحسن هي حبابة التي ملأ اسمها وحبها وأخبارها كتب الأدب والأغاني، وحدث أن ماتت، فجن جنونه، ووجد عليها وجدا كثيرا، وخرج في تشييعها، فلم يقو على المشي ورجع، فلزم بيته أسبوعا أو أسبوعين، هلك بعدها من السل، ولم يأذن لأحد أن يدخل عليه خلال هذه المدة. وليزيد شعر كثير فيها، وفي صاحبتها سلامة القس.
مات يزيد لخمس ليال بقين من شعبان بالبلقاء من أرض دمشق، وله ثمان وثلاثون سنة، وقيل أربعون، بعد خلافة كانت أربع سنين وأشهرا.
6
وصلى عليه الوليد ابنه وهو ابن خمس عشرة.
وكان يزيد - كما قلنا - فتى ماجنا، يحب اللهو ويحيا حياة الشعر والمجان، وقد كان الفرق شاسعا بين عهده وعهد سلفه؛ فإنه عزل عمال عمر الصالحين، وأرجع سب الإمام علي على المنابر، ولم يكن بالخليفة الذي تحمد سيرته في دولة الحكم، وإن كانت أخباره وأشعاره وقصصه محمودة في دولة الأدب.
وفي أيامه انقسم بنو أمية، وازداد النفور بينهم؛ فقد كان أخوه هشام يكرهه لسوء سيرته، وينتقصه ويتمنى موته، فكان إذا بلغ يزيد ذلك اشمأز، حتى إنه كتب إليه يوما: «أما بعد، فقد بلغني استثقالك حياتي، واستبطاؤك موتي، ولعمري إنك لواهي الجناح، أجذم الكف، وما استوجبت منك ما بلغني عنك.»
فأجابه هشام: «أما بعد، فإن أمير المؤمنين متى فرغ سمعه لقول أهل الشنآن وأعداء النعم، يوشك أن يقدح في فساد دار البين، وتقطع الأرحام، وأمير المؤمنين بفضله وما جعله الله أهلا له، أولى أن يتعهد ذنوب أهل الذنوب، فأما أنا فمعاذ الله أن أستثقل حياتك، وأستبطئ وفاتك.»
فكتب إليه يزيد: «مغتفرون ما كان منك، ومكذبون ما بلغنا عنك، واحفظ وصية عبد الملك أبينا وقوله لنا في ترك التباغي والتخاذل، وما أمر به من إصلاح ذات البين، واجتماع الأهواء؛ فهو خير لك وأملك بك، وإني لأكتب إليك، وأعلم أنك كما قال الأول:
سنقطع في الدنيا كما قد قطعتني
يمينك، فانظر أي كف تبدل؟
فإن لم تكن تنصف أخاك وجدته
على طرف الهجران إن كان يعقل»
7 (5) المشهورون في عهده (1)
عبد الملك بن المهلب بن أبي صفرة (؟-102) من شجعان العرب وأشرافهم، خرج على بني مروان مع أخيه يزيد، وشهد الوقائع كلها في العراق والمشرق، ولما قتل أخوه وتفرقت جموعهم، قاد الحملات، ثم قتل مع أخيه المفضل على أبواب قندابيل بالسند. (2)