صلى الله عليه وسلم
فخشيت ألا تثبت حجتي عند الخصومة، فرحمت نفسي فبكيت.
14
وقال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على عمر أعوده، فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لامرأته - وهي أخت مسلمة: اغسلوا قميصه. فقالت: نفعل.
ثم دخلت ثانية، فوجدت القميص وسخا، فقلت لها، فقالت: والله ما له غيره.
15
وكانت نفقته كل يوم درهمين.
16
هذه بعض مناقب عمر في الإصلاح والإدارة، وله مناقب أخرى في العناية بالعلم وأهله، فقد نقل السيوطي عن ابن حجر: أن أول ما دون الحديث النبوي في عهد عمر بن عبد العزيز، وأن الذي بدأ بذلك شهاب الزهري مسلم بن مسلم بن عبيد الله الإمام المحدث (؟-124)، وقال مالك في الموطأ: إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أميره على المدينة أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم الأنصاري القاضي الأمير، العالم في الحجاز: أن انظر ما كان من حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وسنته، أو حديث عمر، أو نحو هذا اكتبه لي، فإني قد خفت دروس العلم وذهاب العلماء.
17
وبذلك يكون عمر أول من أمر بالتدوين في الإسلام، رحمه الله ورحم الشريف الرضي حين يقول فيه:
يابن عبد العزيز لو بكت العي
ن فتى من أمية لبكيتك
غير أني أقول إنك قد طب
ت وإن لم يطب ولم يزك بيتك
أنت نزهتنا عن السب والقذ
ف فلو أمكن الجزاء جزيتك
ولو انني رأيت قبرك لاستحييت
من أن أرى وما حييتك
دير سمعان لا أغبك غاد
خير ميت من آل مروان ميتك
الفصل الخامس
| يزيد بن عبد الملك
101-105ه/720-724م (1) أوليته
هو أبو خالد يزيد بن عبد الملك بن مروان، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. قال ابن الأثير (5: 25): ولما احتضر عمر، قيل له اكتب إلى يزيد فأوصه بالأمة. قال: لماذا أوصيه، إنه من بني عبد الملك. ثم كتب إليه: أما بعد، فاتق يا يزيد الصرعة بعد الغفلة حين لا تقال العثرة، ولا تقدر على الرجعة، إنك تترك ما تترك لمن لا يحمدك، وتصير إلى من لا يعذرك، والسلام.
وكان يزيد فتى شاعرا مرحا، يحب اللهو والمرح، اختلت في أيامه أمور الدولة، وابتدأت أحوالها بالفساد. (2) خلافته
تولى يزيد الخلافة بعد أخيه سليمان بن عبد الملك، فكان أول عمل قام به أن نزع عن المدينة أميرها العالم أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وولاها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري، ولم يلبث أن فوجئ بثورة الخوارج عليه، وعلى رأسهم شوذب الذي ذكرنا قصته مع عمر بن عبد العزيز، فإنه قال: إن الرجل الصالح قد مات. ودعا جماعته للقتال، فقتلوا مقتلة كبيرة من أهل الكوفة وفتكوا بأهلها حتى خافوهم، واستجار بمسلمة بن عبد الملك، فبعث إليهم عشرة آلاف وعلى رأسهم سعيد بن عمرو الحرشي، وكان فارسا، فقال شوذب لأصحابه: من كان يريد الله فقد جاءته الشهادة، ومن كان إنما خرج للدنيا فقد ذهبت الدنيا، وإنما البقاء في الدار الآخرة، فكسروا غماد السيوف، وحملوا فكشفوا سعيدا وأصحابه مرارا حتى خاف الفضيحة، فقال لأصحابه: يا أهل الشام، يوما كأيامكم، فحملوا عليهم، فطحنوهم طحنا، وقتلوا شوذب.
1
وما إن هدأت حركة الخوارج حتى ثار يزيد بن المهلب بن أبي صفرة - الذي كان قد هرب من سجن حلب أيام عمر - فدخل البصرة وجمع جموعا كثيرة، فجرت له معارك مع عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعدي بن أرطاة أميري العراق من قبل يزيد، وتمكن من أسر عدي بن أرطاة، ثم إن يزيد بعث أخاه مسلمة بن عبد الملك في سبعين ألف مقاتل من أهل الشام والجزيرة، فجرت بين الجانبين معارك مخيفة، انتهت بمقتل آل المهلب، وأسر عدد من أهل بيته وتفرق جمعه، وسيطر مسلمة بن عبد الملك على العراق، وأضاف إليه يزيد خراسان. وفي أواخر عهد يزيد سنة 105 ثار عقفان الحروري ومعه ثمانون رجلا، وأراد يزيد أن يبعث إليهم بجند، فقيل له إن قتل اتخذ أصحابه هذه المنطقة دار هجرة لهم، والرأي أن نبعث إلى كل رجل من أصحابه من يكلمه ويرده عنه، فبعث إليهم من كفاه أمرهم.