عن مسجد فيه يتلى أطيب الكلم
فهمت تحويلها عنهم كما فهما
إذ يحكمان له في الحرث والغنم
وداود والملك المهدي إذ جزءا
ولادها واجتزاز الصوف بالجلم
والله ما من أب في الناس نعلمه
خير بنين ولا خير من الحكم
11
وقال أبو قصي: أنفق على المسجد أربعمائة صندوق، في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار
12
حتى قال الناس لما أخذ في تزويقه وبنائه وعظم مؤنته: أينفق أموالنا ويتلف ما في بيوت أموالنا في نقش الخشب وتزويق الحيطان! فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: بلغني مقالكم، وليس الأمر على ما ظننتم، ألا وإني أمرت بإحصاء ما في بيوتكم من المال، فأصبت فيه عطاءكم ست عشرة سنة مقبلة من يومي هذا. ثم نزل.
13
وقد تأنق في البناء تأنقا غالى فيه، فجعل أرض الجامع مفروشة بالفصوص المزمكة بالذهب المسماة بالفسيفساء، وإن الرخام كان في جدرانه سبع وزرات، ومن فوقه صفات البلاد والقرى، وما فيها من العجائب مصورة بالفسيفساء، والكعبة المشرفة وضع صورتها فوق المحراب، ثم فرق صور البلاد يمينا وشمالا، وجعل سلاسل المصابيح من نحاس محلى بالذهب، وجعل في محراب الصحابة درة لا تقوم، كانت إذا أطفئت المصابيح يقوم نورها مكانها، وبنى مغارة العروس والمقاصير الضخمة المحملات، وفرشه بأغلى الفرش، وزينه أحسن تزيين حتى صار من أعاجيب الدنيا.
أعمال عمرانية أخرى
كان الوليد عند أهل الشام أفضل خلفائهم، بنى المساجد: مسجد دمشق ومسجد المدينة والمسجد الأقصى، ووضع المنابر، وأعطى الناس وأعطى المجذومين وقال: لا تسألوا الناس. وأعطى كل مقعد خادما وكل ضرير قائدا.
14
قال الأستاذ كرد علي: وكانت أيامه من أبرك أيام بني أمية، عمر الجوامع، وكتب إلى جميع البلاد بهدم المساجد والزيادة فيها، وتسهيل الطرق، وبث في الأمة روح العمران، فكان الناس إذا التقوا في زمانه يسأل بعضهم بعضا عن الأبنية والعمارات في كل مكان، وكان أول من عمل أعمالا جسيمة ابتدعها في الصدقات والقربات. هذا مع أن الخراج انكسر في أيامه، فلم يحمل كثير شيء من العراق وغيره، فاضطر إلى إحصاء أهل الديوان، وألقى منهم بشرا كثيرا بلغت عدتهم عشرين ألفا، والحق أنه كان شديد الاهتمام بالعمران والقيام بمصالح الأمة، وتفقد أحوال العجزة والمساكين. وهو أول من شاد البيمارستان في الإسلام وبنى دور المرضى للمجذومين، وأجرى الأرزاق على العميان والمرضى، والقراء والفقهاء وقوام المساجد، وأقام طعمة رمضان، وغير ذلك من أعمال الخير والبر.
15 (5) خاتمته ومناقبه
مات الوليد في دير مران للنصف الثاني من جمادى الثانية سنة 96، وله من العمر 42 سنة ونصف، وكانت خلافته تسع سنين وسبعة أشهر، ودفن خارج الباب الصغير، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز، وكان الوليد من محاسن الخلفاء كما رأينا؛ لما سهل الله على يديه من الفتح، ولما تم على يديه من العمران وضروب الإصلاح. (6) كبار الرجال في عهده
لمع اسم نفر من كبار رجال الإسلام في عصره نذكر منهم: (1)
سعيد بن جبير الأسدي الكوفي (45-95) حبشي الأصل، تابعي جليل عالم، بل هو أعلم التابعين، أخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر، وكان مع علمه ودينه بارعا بالشطرنج، ولما خرج عبد الرحمن بن الأشعث على عبد الملك والحجاج، انضم إليه سعيد لتألمه من سيرة الحجاج وبطشه، فلما قتل عبد الرحمن ذهب إلى مكة، فقبض عليه أميرها خالد القسري، وبعثه إلى الحجاج فقتله. قال أحمد بن حنبل: قتل الحجاج سعيدا، وما أحد على وجه الأرض إلا وهو مفتقر إلى علمه.
16 (2)
سعيد بن المسيب (13-94) المخزومي القرشي، سيد التابعين وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع بين الزهد والورع والدين والعلم والفقه والحرمة والنبل، وكان يعيش من التجارة، لا يأخذ عطاء على علمه، وكان أحفظ الناس لأقضية عمر حتى سمي راوية عمر.