وبعث ملك الروم إلى الوليد من الفسيفساء أربعين حملا وعمالا وذهبا، فبعث الوليد بذلك إلى عمر بن عبد العزيز. روى الطبري عن محمد بن عمر، عن موسى بن يعقوب، عن عمه قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يهدم المسجد ومعه وجوه الناس: القاسم، وسالم، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن عبد الله بن عمر يرونه أعلاما في المسجد ويقدرونه، فأسسوا أساسه، وأول ما هدموا بيوت أزواج النبي في صفر سنة 88 حتى قدم الفعلة الذين بعث بهم الوليد، وبعث الوليد إلى ملك الروم يعلمه أنه أمر بهدم مسجد رسول الله، وأن يعينه فيه، فبعث إليه بمائة ألف مثقال ذهب، وبعث إليه بمائة عامل، وبعث إليه من الفسيفساء بأربعين حملا، وأمر أن يتتبع الفسيفساء في المدائن التي خربت، فبعث بها إلى الوليد، وأرسلها إلى المدينة.
8
في سنة 91 قدم الوليد إلى الحجاز فحج بالناس، ثم قصد مسجد النبي
صلى الله عليه وسلم
فأخرج الناس منه، وبقي سعيد بن المسيب ما يجترئ أحد من الحرس أن يخرجه، وما عليه إلا ريطتان ما تساويان إلا خمسة دراهم في مصلاه، فقيل له: لو قمت! قال: والله لا أقوم حتى يأتي الوقت الذي كنت أقوم فيه. قيل: فلو سلمت على أمير المؤمنين؟ قال: والله لا أقوم إليه.
قال عمر بن عبد العزيز: فجعلت أعدل بالخليفة في ناحية المسجد رجاء ألا يرى سعيدا حتى يقوم، فحانت من الوليد نظرة إلى القبلة فقال: من ذلك الجالس؟ أهو الشيخ سعيد بن المسيب؟ فجعل عمر يقول: نعم يا أمير المؤمنين، ومن حاله ومن حاله، ولو علم بمكانك لقام إليك، وهو ضعيف البصر.
قال الوليد: قد علمت حاله، ونحن نأتيه، فدار في المسجد حتى أتى القبر، ثم أتى سعيدا فقال: كيف أنت أيها الشيخ؟ فوالله ما تحرك سعيد، ولا قام. فقال: بخير والحمد لله، فكيف أمير المؤمنين وكيف حاله؟
قال الوليد: خير والحمد لله. فانصرف وهو يقول لعمر: هذا بقية الناس. ثم إنه قسم بالمدينة رقيقا كثيرا عجما بين الناس، وآنية من ذهب وفضة وأموالا، وطاف بالناس على قبر رسول الله، وقد صف له الجند صفين من المنبر إلى جدار مؤخر المسجد، وقدم بطيب مسجد النبي ومجمرة وبكسوة الكعبة، فنشرت وعلقت على حبال في المسجد من ديباج حسن لم ير مثيله.
9
بناء مسجد دمشق
تولى الوليد وجامع دمشق الأعظم مجاور للكتدرائية العظمى، فعزم الوليد على توسيع الجامع، فطلب من النصارى إعطاءه نصف الكنيسة الذي بأيديهم على أن يبني لهم كنيسة حيث شاءوا، فأبوا ذلك ثم رضوا فهدمها، وبدأ الهدم بنفسه في سنة 86، وشرع في البناء سنة 87، وأقام فيما بنى سبع سنين، فمات الوليد ولم يتم فأتمه سليمان.
10
قال ابن عساكر: لما أراد الوليد بناء مسجد دمشق احتاج إلى صناع كثيرين، فكتب إلى الطاغية أن وجه إلي بمائة صانع من صناع الروم، فإني أريد أن أبني مسجدا لم يبن من مضى قبلي، ولا يكون بعدي، مثله، فإن أنت لم تفعل غزوتك بالجيوش، وخربت الكنائس التي في بلدي، وكنيسة بيت المقدس، وكنيسة الرها وسائر آثار الروم، فكتب إليه: والله لئن كان أبوك فهمها فأغفل عنها فإنها لوصمة عليك، ولئن كنت فهمتها وغابت عن أبيك فإنها لوصمة عليك، وأنا موجه لك بما سألت. فأراد أن يعمل له جوابا، فجلس له عقلاء الرجال في حظيرة الرجال يفكرون، فدخل عليهم الفرزدق فقال: ما بال الناس؟ فقيل له: السبب كيت وكيت. فقال: أنا أجيبه من كتاب الله؛ قال الله تعالى:
ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ، فسري عنهم. وفي ذلك قال الفرزدق:
فرقت بين النصارى في كنائسهم
والعابدين من الأسمار والعتم
وهم جميعا إذا صلوا وأوجههم
شتى، إذا سجدوا لله والصنم
وكيف يجتمع الناقوس يضربه
أهل الصليب له القراء لم تنم
فهمك الله تحويلا لبيعتهم