تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الوليد على أبيه ودفنه، ثم أتى المسجد وصعد المنبر، واجتمع إلى الناس فخطبهم فقال: أيها الناس، إنه لا مقدم لما أخر الله، ولا مؤخر لما قدم الله. وقد كان من قضاء الله وسابق علمه، وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه الموت، وقد صار أبي إلى منازل الأبرار، ولي هذه الأمة بالذي يحق عليه لله من الشدة على المريب، واللين لأهل الحق والفضل، وإقامته ما أقام الله من منار الإسلام وأعلامه، من حج هذا البيت، وغزو هذه الثغور، وشن هذه الغارة على أعداء الله، فلم يكن عاجزا ولا مفرطا. أيها الناس، عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة، فإن الشيطان مع الفرد. أيها لناس، من أبدى لنا ذات نفسه جزينا الذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه. أيها لناس، إنا لله وإنا إليه راجعون، والله المستعان على مصيبتنا بموت أمير المؤمنين، والحمد لله على ما أنعم به علينا من الخلافة. قوموا فبايعوا.

2

فكان أول من قام لبيعته عبد الله بن همام السلولي، ثم قال:

الله أعطاك التي لا فوقها

وقد أراد الملحدون عوقها

عنك ويأبى الله إلا سوقها

إليك حتى قلدوك طوقها

ثم تتابع الناس على البيعة. وكان الوليد موفقا في اختيار رجاله، وهو إن فقد الحجاج فقد عوضه عنه بعدد من القواد الفاتحين المدبرين، نذكر منهم: قتيبة بن مسلم الباهلي، ومحمد بن القاسم بن محمد الثقفي، وموسى بن نصير، وعبد الرحمن الغافقي، الذين فتحت في عهدهم الهند والصين والأندلس وجنوبي فرنسة، وتوسع الملك الإسلامي إلى أقصى حدوده، كما سنرى. وفي عهده تمت عدة من المشاريع الاجتماعية والعمرانية والإدارية الخالدة التي سنتحدث عنها بعد. (3) الفتوح في عهده

فتوح المشرق

في سنة «86» بعث الحجاج بن يوسف من قبله قتيبة بن مسلم الباهلي أميرا على خراسان، فأتاها ورتب أمورها، ثم سار حتى قطع نهر بلخ بجيش كثيف. وتلقف أخباره ملوك ما وراء النهر فخافوا، وتلقاه ملك الصغانيان بالهدايا وهو يحمل مفاتيح بلاده من ذهب، فدخلها، ثم سار إلى «أخرون» و«شومان» في طخارستان، فصالحه صاحبها، ثم انصرف إلى مرو، وبعث أخاه صالح بن مسلم ومعه نصر بن سيار لفتح كاشاه وأورشت في فرغانة، وأخسكيث مدينة فرغانة، وقد أبلى نصر بلاء عظيما في تلك الفتوح خلد اسمه.

وفي سنة 87 كتب قتيبة إلى نيزك طرخان صاحب باذغيس في إطلاق من عنده من الأسرى، فأطلقهم وكتب إلى قتيبة يسترضيه ويخضع له، فلما أمن قتيبة جانب نيزك سار نحو بيكند، وهي أدنى مدائن بخارى إلى النهر، فاستنصر صاحبها بالصغد وتجمعوا عليه ، فانقطعت أخباره عن الحجاج مدة شهرين، فقلق وأخذت الناس تدعو لهم في المساجد، وجد قتيبة في غزوه، فهزم عدوه وفتح بيكند، وقتل من كان بها من المقاتلة، وغنم المسلمون مغانم كثيرة، وأسرى لا يحصون، وكان فيهم رجل أعور، فقال لقتيبة: أنا أفدي نفسي بخمسة آلاف حريرة قيمتها ألف ألف، فاستشار قتيبة الناس فقالوا: وما عسى أن يبلغ كيد هذا؟ فقال قتيبة: لا والله. فأمر به فقتل، ثم رجع مسلم إلى مرو.

وفي سنة 88 غزا نومشكت فصالحه أهلها، ثم اجتمع عليه الصغد والترك والفرغانيون في مائتي ألف فشتت شملهم وغنم.

وفي سنة 89 غزا بخارى، ولم يتمكن من القضاء على ملكها فرجع، وجاء كتاب من الحجاج يقول له فيه: صورها وابعث إلي بصورتها وما يحيط بها من الجبال والسهول، فبعث بذلك إليه فأجابه بقوله: تب إلى الله جل ثناؤه مما كان منك، وأتها من مكان كذا وكذا. فعمل قتيبة بما أشار عليه الحجاج فاستطاع فتحها في سنة 90، وفتك بصاحبها وبمن جاء لنصرته من الصغد والترك، وقد أبلى الأزد وتميم في ذلك اليوم أحسن بلاء، وخرج خاقان وابنه، وكتب قتيبة إلى الحجاج يبشره بالنصر.

وفي تلك السنة اضطر ملك الصغد إلى مصالحته.

وفي تلك السنة تمكن قتيبة من فتح الطالقان.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٤٥