وأما فتوح الغرب: قال ابن الأثير 4: 43: لما ولي عبد الملك بن مروان ذكر عنده من بالقيروان من المسلمين، وأشار عليه أصحابه بإنفاذ الجيوش إلى إفريقية لاستنقاذهم، فكتب إلى زهير بن قيس البلوي بولاية إفريقية، وجهز له جيشا كثيرا، فسار سنة 69 إلى إفريقية فبلغ خبره إلى كسيلة بن كرم البربري - الذي أسلم ثم خرج على المسلمين - فاحتفل وجمع وحشد البربر والروم، وأحضر أشراف أصحابه، فالتقى العسكران واشتد القتال حتى آيس الناس من الحياة، فلم يزالوا كذلك أكثر النهار، ثم نصر الله المسلمين وانهزم كسيلة، ثم قتل هو وجماعة من أصحابه بمحش، وتبع المسلمون البربر والروم فقتلوا من أدركوا منهم فأكثروا، وفي هذه الوقعة ذهب رجال البربر والروم وملوكهم وأشرافهم، وعاد زهير إلى القيروان، ثم إن زهيرا رأى بإفريقية ملكا عظيما فأبى أن يقيم، وقال إنما قدمت للجهاد، فأخاف أن أميل إلى الدنيا، واستمر في غزوه إلى أن مات، فولاها عبد الملك، حسان بن الضحاك، فقدمها وتمم فتوح زهير حتى سيطر على إفريقية الشمالية كلها، ولم يترك موضعا من بلادهم إلا وطئه.
27
ثم جرت له وقائع مع الكاهنة التي سبق أن تحدثنا عنها فيما سلف. (5) الأعمال الكبرى في عهده (1)
ضرب الدراهم والدنانير: قال ابن الأثير في سنة 76: وفي هذه السنة ضرب عبد الملك الدنانير والدراهم، وهو أول من أحدث ضربها في الإسلام، فانتفع الناس بذلك، وكان سبب ضربها أنه كتب في صدور الكتب إلى الروم
قل هو الله أحد ، وذكر النبي
صلى الله عليه وسلم
مع التاريخ، فكتب إليه ملك الروم إنكم قد أحدثتم كذا وكذا، فاتركوه وإلا أتاكم في دنانيرنا ما تكرهون، فعظم ذلك عليه، فأحضر خالد بن يزيد بن معاوية، فاستشاره فقال: حرم دنانيرهم واضرب للناس السكة فيها ذكر الله تعالى، فضرب الدنانير والدراهم. ثم إن الحجاج ضرب الدراهم، ونقش فيها
قل هو الله أحد ، فكره الناس ذلك لمكان القرآن.
28
ونهى أن يضرب أحد غيره، فضرب سمير اليهودي فأخذه ليقتله، فقال له: عيار دراهمي أجود، فلم تقتلني؟ فلم يتركه، فوضع للناس صنج الأوزان ليتركه، فلم يفعل، وكان الناس لا يعرفون الوزن إنما يزنون بعضها ببعض، فلما وضع سمير الصنج كف بعضهم عن بعض. وأول من شدد في أمر الوزن، وخالص الفضة، أبلغ من تخليص من قبله عمر بن هبيرة أيام يزيد بن عبد الملك. وكانت دراهم الأعاجم مختلفة كبارا وصغارا. ونقل البلاذري عن الحسن بن صالح قال: «كانت الدراهم من ضرب الأعاجم مختلفة كبارا وصغارا، فكانوا يضربونها مثقالا (وهو وزن عشرين قيراطا)، ويضربون منها وزن اثني عشر قيراطا، ويضربون عشرة قراريط، وهي أنصاف المثاقيل. فلما جاء الإسلام واحتيج في أداء الزكاة إلى الأمر الواسط، فأخذوا عشرين قيراطا واثني عشر قيراطا وعشرة قراريط، فوحدوا ذلك 42 قيراطا، فضربوا على وزن الثلث من ذلك، وهو 14 قيراطا، فوزن الدرهم قيراطا وزن سبعة مثاقيل.»
29
وروي عن أبي الزناد: أن عبد الملك أول من ضرب الذهب عام الجماعة، ويقال إن مصعبا ضرب الدراهم في العراق قبل عبد الملك، وكذلك ضرب الدنانير.
30
وقد اتخذ عبد الملك في دمشق، والحجاج في العراق دار ضرب، جمعا فيها الطباعين لطبع التبر والفضة والزيوف.
31
وقال السيوطي: أول من ضرب الدنانير والدراهم في الإسلام عبد الملك، ونقش اسمه عليها سنة 75، أخرجه ابن سعد، وهو أول من عمل الموازين. ونقل عن ابن سعد قال: فلما كانت مثاقيل التي ضرب عليها عبد الملك اثنين وعشرين قيراطا، الأصبة بالشامي، وكانت العشرة وزن سبعة. ونقل عن مرآة الزمان أنه نقش عليها في وجه «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وفي الآخر أرخ وقت ضربها، وقيل: جعل في وجه
قل هو الله أحد ، وفي الآخر «محمد رسول الله»، وزاد الحجاج: أرسله بالهدى ودين الحق.