يوم الحشان: وهو تل قريب من الشرعبية، جمعت فيه تغلب حاضرتها وباديتها وصارت إلى الحشان، ولقيهم عمير بن الحباب وزفر بن الحارث، والهذيل ابنه، فاقتتلوا قتالا طويلا حتى قتل عمير، وبعثت بنو تغلب برأس عمير إلى عبد الملك، وهو بالغوطة مع وفد، فأعطى الوفد وكساهم، فلما صالح عبد الملك زفر بن الحارث بعد ذلك واجتمع الناس عليه. قال الأخطل قصيدته التي يعاتب فيها عبد الملك، وفيها يقول:
بني أمية قد ناضلت دونكم
أبناء قوم هم آووا وهم نصروا (14)
يوم الكحيل: من أرض الموصل في عبر دجلة الغربي؛ وذلك أن تغلب لما قتلت عميرا جاء تميم بن الحباب إلى زفر واستنصره للانتقام لأخيه، فامتنع ثم قتل، وأغار على تغلب عند الكحيل فقتل وأسر وبقر بطون النساء.
24 (15)
يوم البشر أو الرحوب: وهو جبل في عبر الفرات الغربي؛ وسببه أن الأخطل قدم على عبد الملك وعبده الجحاف بن حكيم السلمي، فقال له: أتعرف هذا يا أخطل؟ فقال: نعم، الذي أقول فيه:
ألا سائل الجحاف هل هو ثائر
بقتلى أصيبت من سليم وعامر
وأتى على القصيدة، فتغالظا في الكلام، ثم خرج الجحاف حتى أتى الرحوب عند جبل البشر، وهو ماء لبني جشم بن بكر، قوم الأخطل، ففتك بهم، فأخذ الأخطل وعليه عباءة وسخة، فظن آخذه أنه عبد، وسئل، فقال: أنا عبد، فأطلقه، وقتل أبوه يومئذ، ثم إن الجحاف استخفى خوفا من عبد الملك، فدخل بلاد الروم، فأقام بطرابندة، ثم استأمن عبد الملك فأمنه، ثم قدم العراق وقصد الحجاج فأكرمه ثم حج وتاب.
25 (4) الفتوح
فتح المسلمون في عهد عبد الملك فتوحا في المشرق وأخرى في المغرب، فأما فتوح المشرق: ففي سنة 74 ولى عبد الملك بلاد خراسان أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فلما أتاها ولى ابنه عبد الله بن أمية على سجستان، فلما قدمها غزا رتبيل، الذي ملك بعد رتبيل الأول المقتول، وكان هيابا للمسلمين، فلما وصل عبد الله إلى بست أرسل رتبيل إليه يطلب الصلح وألف ألف وهدايا ورقيقا، فأبى عبد الله وكان غرا، فخلى له رتبيل البلاد حتى أوغل فيها، ثم طوق عليه فأخذه، فطلب عبد الله أن يخلي عنه وعن المسلمين، ولا يأخذ شيئا، فأبى رتبيل وقال: نأخذ ثلاثمائة ألف درهم، ويكتب لنا كتابا ولا يغزو بلادنا، ولا تحرق ولا تخرب، فقبل عبد الله، وبلغ ذلك عبد الملك فعزله، وولاها الحجاج إضافة إلى العراق، فبعث الحجاج المهلب بن أبي صفرة، وعبيد الله بن أبي بكرة، فسار عبيد الله وغزا بلاد رتبيل، وأمره الحجاج ألا يرجع حتى يستبيح بلاده، ويهدم قلاعه، ويقيد رجاله، فأصاب من الغنائم ما شاء الله وهدم الحصون، وكذلك سار المهلب إلى ما وراء النهر وفتح حصونها، وأقام حتى بلغ «كش» وأقام فيها.
وفي سنة 80 استأذن الحجاج عبد الملك في تسيير جند عظيم إلى بلاد رتبيل، فأذن له فجهز أربعين ألفا من أهل البصرة والكوفة، وأعطى الناس أعطياتهم، وأنفق عليهم ألفي ألف - كما قلنا - وزودهم بالخيل والسلاح والعدد والذخيرة، وبعث فيهم الأبطال والفتيان، وأمر عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وسمي هذا الجيش جيش الطواويس؛ لقوته وكماله، فبلغ بلاد رتبيل وفتك بهم، وغالى في اللحاق بهم، وكتب بذلك إلى الحجاج فهنأه وأمره باستمرار الغزو، فكان من أمره ما كان من خلع الحجاج وحصول معركتي دير الجماجم ومسكن بين جند الحجاج وجند عبد الرحمن، وهروب عبد الرحمن ثانية إلى بلاد رتبيل.
أما المهلب بن أبي صفرة فإنه بلغ بلاد «كش»، ثم أدركته منيته وهو قافل بمرو، فاستخلف ابنه يزيد، وأوصاه أن يستمر في فتوحه، فسار يزيد في فتوحه حتى بلغ قلعة نيزك بباذغيس، فحاصرها وملكها وما فيها من الأموال والذخائر، وكانت من أحصن القلاع وأمنعها، وكان نيزك إذا رآها سجد لها.
26
وفي سنة 85 عزل الحجاج يزيد بن المهلب عن خراسان وولاها أخا المفضل، ففتح باذغيس وأصاب مغنما كثيرا، ثم غزا «أخرون» و«شومان» فغنم وفتح.