تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14

ولما قتل مصعب بن الزبير وسيطر عبد الملك على العراق، خرج الخوارج من جديد وقوي أمرهم، وكان سبب ذلك أن عبد الملك ولى خالد بن عبد الله بن أسيد بلاد العراق، فصرف هذا المهلب عن قتالهم، وولى أمرهم أخاه عبد العزيز بن عبد الله بن أسيد، فبعث إليه عبد الملك يعنفه في كتاب قال فيه: «قبح الله رأيك حين تبعث أخاك أعرابيا من أهل مكة على القتال، وتدع المهلب يجبي الخراج، وهو الميمون النقيبة، المقاسي للحرب، ابنها وابن أبنائها. أرسل إلى المهلب يستقبلهم، وقد بعثت إلى بشر بالكوفة ليمدك بجيش، فسر معهم ولا تعمل في عدوك برأي حتى يحضر المهلب والسلام.»

15

وكتب عبد الملك إلى أخيه بشر بن مروان بالكوفة يأمره بإنفاذ خمسة آلاف عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان ذلك سنة 72، فدارت معارك عديدة بين الجانبين أظهر كل منهما ضروبا من الشجاعة والفتوة، صارت مضرب الأمثال، وكاد الخوارج أن يتغلبوا، فبعث عبد الملك بالحجاج أميرا على العراق، فأخذ يسير الأمور بسياسته الشديدة، فطردهم من العراق إلى فارس، ثم تبعهم إلى جيرفت ففتك بهم وشردهم، ثم إن الشقاق دب صفوفهم فتفرقوا شيعا؛ شيعة تزعمها قطري بن الفجاءة ورحل بها إلى طبرستان، وشيعة تزعمها عبد ربه الكبير. ولما وصل قطري وصحبه إلى طبرستان أخذوا يفتكون بمناوئيهم، فاضطر الحجاج أن يبعث إليهم بجيش فتك بقطري، وأضعف شوكة الأزارقة من ذلك الحين.

16

وبموت قطري سقط أمر الخوارج سقوطا مريعا لما كان يتمتع به قطري من شجاعة وحزم ونبل وفضل.

17

وممن فتك بهم الحجاج من الخوارج طائفة منهم تسمى الصفرية المقيمة في الموصل وبلاد الجزيرة، وكان على رأسها رجل صالح عابد اسمه صالح بن مسرح التميمي، وشبيب بن يزيد الشيباني، خرجوا في الجزيرة ففتكوا بجيش محمد بن مروان عامل الجزيرة، فاستنجد بالحجاج فأنجده بجيش لقي الخوارج منه بلاء عظيما، ولكنه لم يستطع أن يفرق جموعهم على قلتهم بالنسبة إلى عدد خصومهم. وقد اضطر الحجاج أن يسأل عبد الملك مده بجيش من أهل الشام للفتك بالصفرية، فبعث إليه عبد الملك ستة آلاف، حمل عليهم شبيب بن يزيد أكثر من ثلاثين حملة، فصمدوا إلى أن هلك شبيب غرقا، فحمل أهل الشام عليهم وأفنوهم، وبموت شبيب طويت صفحة رائعة من صفحات الفروسية التي تحلى بها هؤلاء الخوارج، وبالقضاء على الصفرية والأزارقة وغيرهم من الخوارج صفا الجو في العراق لعبد الملك.

فتنة لبنان

لما وقعت الفتنة بين عبد الملك وعمرو بن سعيد الأشدق خرج الجراجمة، ويسمون بالمردة أيضا - أما الجراجمة فنسبة إلى مدينة جرجومة، كانت على جبل اللكام بالثغر الشامي عند معدن الزاج، بين بياس - بياس اليمام - و«لوقة» قرب أنطاكية، وأما المردة فجمع مارد، وإنما سموا بذلك لتمردهم على السلطان وعصيان أمره - من جبل لبنان بزعامة يوحنا في اثني عشر ألفا، فأتوا البقاع ونزلوا قب إلياس، وغزو جبل لبنان الشرقي، وشنوا الغارات على الحجاج، وقطعوا السابلة، وأفسدوا في الأرض، فاضطر عبد الملك إلى تجديد الهدنة التي كان عقدها مع إمبراطور الروم على أن يدفع كل جمعة ألف دينار.

18

ويقول ابن عساكر: إن طاغية الروم لما رأى ما صنع الله للمسلمين من منعة مدائن الساحل، كاتب أنباط جبل لبنان واللكام، فخرج الجراجمة وعسكروا بالجبل، ووجه ملك الروم، فلقط البطريق في جماعة من الروم في البحر، فسار بهم حتى رسا بهم بوجه الحجر - فوق البترون - وخرج بمن معه حتى علا بهم على جبل لبنان، وبث قواده في أقصى الجبل حتى بلغ أنطاكية وغيرها من الجبل الأسود، فأعظم ذلك المسلمون بالساحل حتى لم يكن أحد يخرج في ناحية من رجال ولا غيرها إلا بالسلاح، فغلبت الجراجمة على الجبال كلها من لبنان، وسنير، وجبل الثلج، وجبال الجولان، حتى بعث إليهم عبد الملك بالأموال؛ ليكفوا حتى يفرغ إليهم، وكان مشغولا بقتال أهل العراق ومصعب وغيره، ثم كتب عبد الملك إلى سحيم بن المهاجر أمير طرابلس، يأمره بالخروج إليهم

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٤٠