تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13

وفي سنة 74 ولى حسان بن النعمان الغساني على إفريقية، فسار إليها في جيش عظيم لم يدخل إفريقية جيش مثله، ولما وصل القيروان رتب أمورها، ومنها سار إلى قرطاجنة، فاجتمع عليه ملوك إفريقية من الروم والبربر، فقتل منهم عددا لا يحصى، ثم سأل عمن بقي من ملوك إفريقية، فدلوه على امرأة تعرف بالكاهنة، تملك البربر بجبل أوراس فسار إليها، ولكنها تغلبت عليه وشتتت شمل جنده، ثم بعث إليه عبد الملك مددا كبيرا، فتمكن من قتل الكاهنة، ومنذ ذلك الحين فشا الإسلام في البربر، وفي هذه الأثناء جاء النعي بموت عبد الملك، وكان ذلك في منتصف شوال سنة 86. (3) الحوادث الكبرى في عهده

فتنة الخوارج

ذكرنا في الباب الخاص بمعاوية بن أبي سفيان شيئا من أمر الخوارج في عهده؛ فقد كانوا يكرهونه أشد الكراهية، فعهد معاوية إلى المغيرة بن شعبة - وكان داهية قويا - ففتك بهم، وقبض على جماعة منهم: حيان بن ظبيان، ومعاذ بن جوين الطائي وغيرهما، وأخطرهم إلى الجلاء عن الكوفة، فجمعوا إخوانهم، فبعث إليهم المغيرة جيشا بقيادة معقل بن قيس الرياحي، والتقى الجمعان بالمذار بالقرب من البصرة فقتلوا عن آخرهم.

وفي سنة 45 ولى معاوية البصرة زياد ابن أبيه، فقدمها في ربيع الأول منها، فخطب في أهلها خطبته المشهورة بالبتراء التي جمع فيها ضروب التهديد بالسياسة والحزم، وكان من جراء ذلك أن توطدت أركان دولة معاوية في العراق. ولما مات والي الكوفة المغيرة بن شعبة في سنة 51 أضاف معاوية الكوفة إلى زياد، فذهب إليها وخطب في أهلها خطبة قطعت ظهورهم، ثم أتبع القول بالسيف ففتك بهم، ووجه أكثر همه إلى الخوارج، فلم يرتفع لهم صوت إلى أن مات زياد ابن أبيه، فلما وليها ابنه عبيد الله بن زياد تحركوا من جديد ففتك بهم مثل أبيه، وكان ممن قتلهم صبرا جماعة منهم: عروة بن أدية التميمي سنة 58، وهو أول من قال: لا حكم إلا لله، وسيفه أول ما سل من سيوف أباة التحكيم، وقد حضر النهروان ونجا منها، ولما زاد عبيد الله بن زياد في فتكه بالخوارج اجتمعوا وتذاكروا في أمرهم، فقال لهم نافع بن الأزرق الحنفي: «إن الله قد أنزل عليكم الكتاب، وفرض عليكم الجهاد، واحتج عليكم، وقد جرد أهل الظلم فيكم السيوف، فاخرجوا بنا إلى هذا الذي قد ثار بمكة - ابن الزبير - فإن كان على رأينا جاهدنا معه، وإن يكن على غير رأينا وافقناه عن البيت.» ثم سار بهم إلى مكة، فأظهر لهم ابن الزبير أنه يرى رأيهم فقاتلوا معه إلى أن مات يزيد بن معاوية، ووضعت الحرب بين ابن الزبير وجند يزيد أوزارها، وقوي أمر ابن الزبير. ظهر للخوارج أن ابن الزبير لا يعتقد اعتقادهم، وأنه يطلب الأمر لنفسه، وأنه إنما قام بالأمر انتقاما لعثمان الذي يكرهونه، تركوا الحجاز ونزلوا البصرة وأخذوا ينشرون فكرتهم، فكثرت جموعهم، واستطاعوا أن يكسروا باب السجن ويخرجوا من فيه من إخوانهم، وما زال أمر الأزارقة الخوارج من أزارقة وصفرية ونجدات يعظم حتى امتد نفوذهم إلى البحرين والأهواز، فاضطر مسلم بن عبيس بن كريز أمير البصرة أن يقاتلهم، فخرج الخوارج إلى دولاب من أرض الأهواز، فلحق بهم أمير البصرة وفتك بهم، وقتل نافع في سنة 65 كما قتل دغفل بن حنظلة النسابة وغيره من وجوه الخوارج، فجمعوا جموعهم وقتلوا مسلم بن عبيس، وشتتوا جنده، وساروا نحو البصرة، فلما قربوا من البصرة خاف أهلها منهم، فأتوا الأحنف بن قيس وسألوه أن يتولى حربهم، فأشار عليهم بالمهلب بن أبي صفرة؛ لشجاعته وعقله وخبرته، فقبل المهلب ذلك على أن تكون له ولاية ما غلب عليه، وأن ينتخب من وجوه الناس وفرسانهم من أحب، وأن يعطى من بيت المال ما يتقوى به، فأجابوه إلى ذلك، فخرج للقاء الخوارج فهربوا منه حتى كرمان وأصفهان فلحق بهم وفرقهم، وظل يتعقبهم إلى أن ولى عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا على العراق. ولما حضر مصعب ولى المهلب بلاد الجزيرة، وولى عمر بن عبيد الله بن معمر حرب الخوارج فحاربهم حتى أجلاهم عن أصفهان، ولكن عمر بن عبيد الله لم يكن في مثل بطش المهلب، فاستطاع الخوارج أن يجمعوا فلولهم ويسيروا إلى العراق، فطلب العراقيون إلى مصعب أن يعيد المهلب إلى قتالهم فرجع المهلب لمحاربتهم، وكان على رأس الخوارج آمر شجاع قوي، هو قطري بن الفجاءة، فاقتتل الفريقان قتالا دام قرابة سنة، تضعضع فيه أمر الخوارج بعد أن ظهرت فيهم ضروب الشجاعة والفروسية من جهة، والفتك بالأطفال والشيوخ والنساء من جهة أخرى.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٣٩