تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما السبئية: فنسبتهم إلى عبد الله بن سبأ الذي كان يهوديا فأسلم وتشيع لعلي وآله، وغالى في ذلك غلوا كبيرا، وأخباره كثيرة مشهورة. وقد كان المختار داهية، استطاع أن يجمع كافة فرق الشيعة تحت لوائه، كما تمكن من أن يخدع التوابين، ويجتذب فلولهم التي بقيت بعد معركة عين الوردة «رأس العين» سنة 65ه، وخدع الموالي، ونفخ فيهم روح التمرد على العرب، وهذه هي الفترة الأولى التي ظهرت روح التمرد من الموالي، فتمكن أن يجمع جيشا كبيرا، واستطاع به أن يقضي على عامل الكوفة من قبل ابن الزبير فطرده، ثم أرسل جيشا بقيادة إبراهيم بن الأشتر لقتال عبيد الله بن زياد، فالتقى جيشاهما على نهر الخازر فقتل ابن زياد وتفرق جيشه، وبذلك انتقم للحسين من قاتليه، ثم حمل رأسه إلى المختار فبعث به إلى ابن الزبير، وكان لقتل ابن زياد عدو الشيعة وقاتل الحسين، أنهم تعلقوا بالمختار وأيدوه، حتى خاف ابن الزبير على مكانه في العراق، فبعث إليه أخاه مصعبا بجيش كثيف، فقتل المختار وعددا كبيرا من الشيعة، واستولى مصعب على الكوفة سنة 67، جرت هذه الحوادث وعبد الملك يرقب الأمور عن كثب، وقد راقه تقاتل الطرفين لينهك بعضهما الآخر، فلما قتل المختار واستولى مصعب على زمام الأمر، خرج إليه عبد الملك بعد أن هادن إمبراطور البيزنطيين حين أغار على الثغور الإسلامية في سنة 70، وتعهد عبد الملك بدفع الأموال والهدايا، وخمسين ألف دينار كل عام. ولما يكد جيش عبد الملك يخرج من دمشق ويصل إلى أراضي الفرات، حتى بلغه أن عمرو الأشدق قد ثار عليه في دمشق، فرجع إلى الشام، وأخذ يتلطف مع عمرو حتى تمكن منه وقتله بعد أن أمنه، وكان هذا أول عهد غدر به في الإسلام.

11

ولما استقر لعبد الملك أمر دمشق رجع إلى العراق، فحاصر زفر بن الحارث زعيم القيسية في قرقيسياء قرب رحبة مالك بن طوق على نهر الخابور، والذي كان يدعو لابن الزبير، ورأى أن الحزم في مصالحته فصالحه، وبذلك انضوت القيسية تحت لواء عبد الملك، وبانضوائها سيطر عبد الملك على جناحي النسر العربي (قيس واليمن) ثم سار عبد الملك للقاء مصعب، فانخذل جيش مصعب أمام عبد الملك، ثم إنه أخذ يدعوهم ويمنيهم، فتخلى كثير منهم عن ابن مصعب وانضموا إليه. وكتب عبد الملك إلى قواد مصعب وأعيان الكوفة حتى أفسدهم عليه إبراهيم بن الأشتر، فإنه أعطى الكتاب الذي بعث به إليه عبد الملك إلى مصعب، فوجده يمنيه بولاية العراق، ثم إن إبراهيم بن الأشتر أخبر مصعبا بخبر سائر القواد، وأنهم أخفوا كتب عبد الملك عن مصعب، وطلب منه أن يقتلهم لئلا يفسدوا في الجيش فلم يفعل، فطلب منه أن يحبسهم إلى أن يتبين الأمر فأبى ذلك عليه أيضا.

12

وكان مصعب مخطئا في سياسته هذه، فقد تفرق عنه قواده لما نشب القتال بين الطرفين، وقتل مصعب بعد أن أظهر من ضروب البطولة والجرأة ما يدهش له المرء، ودخل عبد الملك الكوفة سنة 71، ثم سيطر على البصرة، وصفا له العراق ولم يبق أمامه إلا الحجاز الذي سيطر عليه ابن الزبير. وما أن استقرت له أمور العراقيين حتى بعث جيشا كبيرا بقيادة الحجاج لقتال ابن الزبير في الحجاز، فذهب إليه وقتله على الشكل الذي رأينا في الفصل الخاص بابن الزبير.

ولما قتل ابن الزبير وصفا أمر الحجاز لعبد الملك، ولى عليه الحجاج بن يوسف من 73-75ه حين ولاه على العراق، فسار إليه في جيش لجب من أهل الشام، ولما بلغ القادسية أمر الجيش بالاستراحة، واستمر هو في الكوفة فدخلها، وألقى في مسجدها خطبته المشهورة التي أولها:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا

متى أضع العمامة تعرفوني

وفي سنة 74 ولى عبد الملك أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد خراسان، فاستعمل أمية ابنه عبد الله ووجهه للقتال في سجستان، فغزا رتبيل فصالحه رتبيل، وبذل له ألف ألف فلم يقبل، وقال: إن ملأ لي هذا الرواق ذهبا وإلا فلا صلح لي، فخلى له رتبيل البلاد حتى أوغل فيها، ثم هجم عليه رتبيل فكاد أن يأخذه، وصالحه عبد الله، وبلغت هذه الأخبار عبد الملك فعزله وأباه، وضمها إلى العراق، فاستعمل الحجاج المهلب بن أبي صفرة على خراسان. وفي سنة 79 قطع المهلب نهر بلخ ونزل على كش، وكان معه أبو الأدهم الزماني البطل الجبار، فغنم المسلمون مغانم كثيرة، ووصلوا إلى بخارى، وفي تلك السنة سنة 79 استأذن الحجاج عبد الملك في تسيير الجنود إلى رتبيل، فأذن له، فجعل على البصرة عشرين ألف مقاتل، ومثلهم على الكوفة، وأعطى المقاتلين أعطياتهم، وأنفق عليهم ألفي ألف غير الأعطيات، وأنجدهم بالخيل القوية والسلاح الكامل، وكان في المقاتلين عدد من أبطال المسلمين، كأبي الأدهم الزماني، وأبي محجن الثقفي، وكان هذا الجيش يسمى جيش الطواويس لجماله، ولما تم للحجاج تنظيم أمورهم، سيرهم بقيادة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فقدم سجستان وسار معه أهل سجستان، فلما بلغت أخباره رتبيل استجار وطلب الصلح فلم يقبل، فدخل عبد الرحمن بلاده وفتك بجنده، ثم كتب إلى الحجاج يهنيه، فحمد له جهده وأمره على تلك الديار، وأمره بالاستمرار في الغزو فاعتذر، فكتب إليه الحجاج يعنفه فغضب، ورجع إلى العراق خالعا الحجاج وعبد الملك، وجرت بين الجانبين معركة في دير الجماجم سنة 82 وسنة 83، ثم تراجع عبد الرحمن إلى سجستان، وفي هذه السنة سنة 79 بعث عبد الملك ابنه عبد الله بجيش كثيف إلى أرمينيا ففتح قالقيلا، وغنم مغانم كثيرة.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٣٨