5
ولم يكد عبد الملك يقضي على حركة التوابين، حتى ثار المختار بن أبي عبيد الثقفي عامل الكوفة من قبل الزبير فطرده، وكان ذا مطامع واسعة، فاستغل حركة التوابين واستتر وراء محمد ابن الحنفية، وزعم أنه أمينه ووزيره، وأنه إنما يثور انتقاما للعلويين وحقوقهم المهضومة، فانضوت الشيعة تحت لوائه من توابين وكيسانية وسبئية. أما التوابون فهم الذين تابوا عن معصيتهم التي اقترفوها بخذل الحسين فسببت قتله، وقد تحالفوا وتعاهدوا على بذل أرواحهم انتقاما له ومقاتلة قاتليه وأتباعهم وتنصيب رجل من آل علي، ومن شعرائهم عبد الله بن الأحمر (انظر مروج الذهب 1: 110) وأعشى همدان.
قصيدة أعشى همدان الشيعي التي كان الشيعة يكتبونها سرا:
ألم خيال منك يا أم غالب
فحييت عنا من حبيب مجانب
وما زالت في شجو وما زالت مقصدا
لهم غير أني من فراقك ناصب
فما أنس لا أنس انتقالك في الضحى
إلينا مع البيض الحسان الكواعب
تراءت لنا هيفاء مهضومة الحشا
لطيفة طي الكشح ريا الحقائب
مقبلة غراء رود شبابها
كشمس الضحى تنكل بين السحائب
فلما تغشاها السحاب وحوله
بدا حاجب منها وضنت بحاجب
فتلك الهوى وهي الجوى لي والمنى
فأحبب بها من خلة لم تصاقب
ولا يبعد الله الشباب وذكره
وحب تصافي المعصرات السواكب
ويزداد ما أحببته من عتابنا
لعابا وسقيا للخدين المقارب
فإني وإن لم أنسهن لذاكر
رذية مخبات كريم المناسب
توسل بالتقوى إلى الله صادقا
وتقوى الإله خير تكساب كاسب
وخلى عن الدنيا فلم يلتبس بها
وثاب إلى الله الرفيع المرائب
وما أنا فيما يبكر الناس فقده
ويسعى له الساعون فيها براغب
توجه من دون الثوية ثائرا
إلى ابن زياد في الجموع الكتائب
بقوم هم أهل التقية والنهى
مصاليت أنجاد شراة مناجب
مضوا تاركي رأي ابن طلحة حسبة
ولم يستجيبوا للأمير المخاطب
فساروا وهم ما بين ملتمس التقى
وآخر مما جر بالأمس ثائب
فلاقوا بعين الوردة الجيش فاصلا
إليهم فحسوهم ببيض قواضب
يمانية تذري الأكف وتارة
بخيل عتاق مقربات سلاهب
فجاءهم جمع من الشام بعده
جموع كموج البحر من كل جانب
فما برحوا حتى أبيدت سراتهم
فلم ينج منهم ثم غير عصائب
وغودر أهل الصبر صرعى فأصبحوا
تعاورهم ريح الصبا والخبائب
فأضحى الخزاعي الرئيس مجدلا
كأن لم يقاتل مرة ويحارب
6
ورأس بني شمخ وفارس قومه
7
شنوءة
8
والتيمي هادي الكتائب
9
وعمرو بن بشر والوليد وخالد
وزيد بن بكر والحليس بن غالب
وضارب من همدان كل مشيع
إذا شد لم ينكل كريم المكاسب
ومن كل قوم قد أصيب زعيمهم
وذو حسب في ذروة المجد ثاقب
أبوا غير ضرب يفلق الهام وقعه
وطعن بأطراف الأسنة صائب
وأن سعيدا يوم يدمر عامرا
لأشجع من ليث بدرب مواثب
فيا خير جيش بالعراق وأهله
سقيتم روايا كل أسحم ساكب
فلا يبعدن فرساننا وحماتنا
إذا البيض أبدت عن خذام الكواعب
فإن يقتلوا فالقتل أكرم ميتة
وكل فتى يوما لإحدى الشواعب
وما قتلوا حتى أثاروا عصابة
محلين ثورا كالتيوس الضوارب
وأما الكيسانية فقد اختلف في الشخص الذي ينسبون إليه، فقيل:
10
إنه كيسان مولى علي بن أبي طالب، ولكنه قول غريب؛ لأنه مات في صفين قبل قيامهم بنحو ثلاثين سنة. وقال المسعودي في المروج 2: 79، وابن عبد ربه في العقد 1: 269، والطبري أيضا 2: 671، والنويحي في فرق الشيعة، ص21، إنه كيسان أبو عمرو مولى بجيلة، صاحب شرطة المختار بن أبي عبيد الثقفي، وهو الصواب الذي يؤيده ابن سعد (5: 77)، وأبو حنيفة الدينوري في الأخبار الطوال، ص296، والبلاذري في أنساب الأشراف (5: 229)، ويذكر ابن سعد: أن كيسان كان ضمن الرجال الذين شهدوا بأن ابن الحنفية سمح للمختار بن أبي عبيد، أن يبث الدعوة باسمه (أي باسم ابن الحنفية)، وإن كان هذا القول غير صحيح تاريخيا؛ فإن ابن الحنفية لم يمالئ المختار، بل بايع يزيد بن معاوية؛ لأنه لم يكن يثق بأهل الكوفة. وأول ما نسمع بذكر المختار الثقفي في الفتنة بين علي ومعاوية، ثم ينحرف إلى الخوارج عندما يقوى أمرهم، فحين صفعوا تركهم والتحق بابن الزبير، ثم تركه وساير محمد ابن الحنفية وادعى أنه من أنصاره، وانحدرا إلى الكوفة يدعو له، ويزعم أن محمد ابن الحنفية (المهدي) قد بعثه إلى الكوفيين لينقذهم، وهذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها بذكر «المهدي».