تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

إلا أن المستشرق الألماني «يوليوس روسكا» يشك في الأمر، ويقول: ليس لدينا شهادة من عصر خالد تثبت ميله العلمي، وليس فيما نعرفه عن الحياة الرسمية في ذاك العصر، أقل إشارة تدعو إلى الظن بأن ابن خليفة في دمشق عني بالعلم اليوناني، وعبثا يبحث الإنسان عن رجل اهتم بترقية العلم بين المغنين والشعراء والنساء والرجال، فإن المهندسين الذين كانوا يبنون قصور الخلفاء والجوامع هم من الغرباء، وكذلك كان الأطباء والفلكيون من الغرباء، ولكننا لا نستطيع أن نتبين أو ننقض ما ذكر من أن خالدا له ولع بالكيمياء، وما من تأليف علمي نثري أو شعري نسب إليه يمكن أن يعتبر أنه من تآليفه.

13

وكذلك يذهب الأستاذ «حتي» فيشك في الأمر ويقول: وفي عزو هذا العمل إلى خالد - وإن كان لا يوثق به - ما يشير إلى الحقيقة الراهنة، وهي أن العرب استقوا معلوماتهم العلمية من المصادر الإغريقية القديمة.

14

والحق أن ابن النديم هو أقدم مصدر ذكر قصة خالد بن يزيد، ثم تناقلها المؤلفون من بعده، ولم يذكر ابن النديم المصدر الذي نقل عنه، ولا يكفي أن يذكر أنه رأى بعض الكتب منسوبة إليه، فإن التزوير في التأليف كان معروفا من عهد مبكر، وبخاصة في كتب الصنعة وما إليها مما يراد الترويج له. وما ينسب إلى خالد، في رأينا، هو مثل ما نسب إلى جابر بن حيان وجعفر الصادق ممن عرفت عنهم بعض النزعات فألف الكتب باسمهم. (7) تدوين الكتب

رأينا أن أول من دون كتب التاريخ والقصص والأخبار، هو عبيد بن شرية لمعاوية لما استدعاه، وقيل: بل إن التأليف كان قبل ذلك؛ فقد روى الإمام البخاري أن عبد الله بن عمر كان يدون بعض أحاديث النبي حينما كان يسمعها من الرسول

صلى الله عليه وسلم

فهو أول تدوين في الإسلام. وروى صاحب توجيه النظر في علوم الأثر أن زيد بن ثابت دون كتابا في المواريث والفرائض. كما روى الإمام مسلم أن بعض العلماء قد ألف رسالة قضاء علي في زمانه. وذكر ابن النديم في الفهرست أنه رأى في مدنية الحديثة خزانة كتب فيها خطوط الإمامين الحسن والحسين، وأمانات وعهودا بخط أمير المؤمنين علي، وبخط غيره من كتاب الوحي، وأن في خزانة المأمون كتابا بخط عبد المطلب بن هاشم في أدم ...

15

ولكن ذلك كله لا يمكن التأكد من معرفة أسلوبه وطريقة تأليفه؛ لأنه قد فقد.

الفصل السابع

| في كبار الرجال في هذا العهد

نبغ في عهد معاوية ومن وليه إلى عهد مروان نفر من كبار السياسة والقادة وأهل الرأي، نذكر منهم: (1)

عمرو بن العاص (؟-43) السهمي القريشي فاتح مصر وأحد دهاة العرب، أسلم في هدنة الحديبية، ولاه النبي إمرة ذات السلاسل وأمده بأبي بكر وعمر، ثم استعمله على عمان، ثم في زمان عمر تولى إمرة بعض جيوش الفتح في الشام، ففتح قنسرين، وصالح أهالي حلب ومنبج وأنطاكية، ثم ولاه عمر فلسطين، ثم مصر بعد أن فتحها، ولما كانت الفتنة كان مع معاوية، فأقره على مصر، وأطلق له خراجها ست سنين، ومات بالقاهرة، وله أخبار في كتب الأدب والتاريخ تدل على رجاحة عقله وبعد صيته وقدره، وله في الصحيحين 35 حديثا (انظر الاستيعاب). (2)

المغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي أبو عبد الله (؟-50) الداهية الأمير، زار الإسكندرية قبل الإسلام فأعجب به المقوقس، أسلم في السنة الخامسة، وشهد الحديبية واليمامة وفتوح الشام، وذهبت عينه باليرموك، وأبلى في فتوح القادسية ونهاوند وهمدان والمشرق . ولاه عمر البصرة ثم الكوفة، ولما كانت الفتنة اعتزلها، ثم انضم إلى معاوية وحضر الحكمين، ثم ولاه معاوية الكوفة إلى أن مات، وهو أول من وضع البصرة، وله في الصحيحين 36 حديثا (انظر الاستيعاب). (3)

زياد ابن أبيه (؟-53) هو ابن سمية، وأبوه عبيد الثقفي، وقيل أبو سفيان، أسلم في عهد أبي بكر، فاتخذه أبو موسى الأشعري كاتبا في إمرته على البصرة، ثم ولاه على إمرة فارس، ولما قتل علي امتنع على معاوية، فكتب إليه ثم استلحقه بنسبه سنة 44، فولاه العراق فكان عضده القوي، كان من أخطب الناس. قال الأصمعي: هو أول من ضرب الدنانير والدراهم، وأول من اتخذ القسيس والحرس في الإسلام، وأول وال سارت الرجال بين يديه، وأول من عرف العرفاء، ورتب النقباء، وربع الأرباع بالبصرة والكوفة. قال الأصمعي: الدهاة أربعة: معاوية للروية، وعمرو بن العاص للبديهة، والمغيرة بن شعبة للمعضلة، وزياد ابن أبيه لكل صغيرة وكبيرة. (4)

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٣٥