تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان العرب في جاهليتهم وإسلامهم يحبون رواية الأخبار للمسامرة والاعتبار، وكان معاوية يحب استماع الأخبار القديمة، وقصص الماجنين من عرب الجاهلية والإسلام والأقدمين، كما كان مغرما بمعرفة أنساب العرب وأيامهم ووقائعهم في الجاهلية. وقد أغرم الناس بهذه الأخبار، فاعتنوا بها وجمعوها منذ زمن مبكر، حتى صارت فيما بعد مادة للمؤرخين الإسلاميين الذين دونوا السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي والعربي في القرن الثاني. وكان أقدم هؤلاء الرواة الإخباريين عبيد بن شرية الجرهمي، وهو عربي يمني، كان جماعة للأخبار والقصص، استدعاه معاوية إلى دمشق؛ ليسامره ويقص عليه قصص الماجنين من أهل اليمن، وعامة العرب والعجم. ويقال: إن عبيدا هو أول من ألف في كتب التاريخ والأخبار، وأخبار الملوك والأمم الماضية.

3

ومنهم كعب الأحبار وهو يهودي يماني، كان واسع الاطلاع على علوم الأولين وأخبار الإسرائيليين، قربه معاوية وكان يستمع إلى أقاصيصه.

4

ويقول المسعودي: إن معاوية كان يجلس لأصحاب الأخبار في كل ليلة بعد العشاء إلى ثلث الليل، فيقصون عليه أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها وسياستها في رعيتها وسائر ملوك الأمم وحروبها ومكائدها، ثم ينام ويأتيه غلمان مرتبون، وعندهم كتب قد وكلوا بحفظها وقراءتها، يقرءون عليه ما في تلك الكتب من سير الملوك وأخبار الحروب ومكائدها وأنواع السياسات.

5

ويعلق جرجي زيدان على هذا الكلام بقوله: والغالب في اعتقادنا أن تلك الكتب في اليونانية أو اللاتينية، وفيها أخبار أبطال اليونان والرومان، كالإسكندر ويوليوس قيصر وهنيبال، وأن الغلمان كانوا يفسرونها له بالعربية.

6

وممن ألف في هذا العصر أبو مخنف أحد أصحاب الإمام علي؛ فقد روى ابن النديم أن له بعض الكتب في أخبار الأمم وتراجم الرجال

7

ومنهم دغفل بن حنظلة السدوسي النساب البكري.

8 (6) علوم الأقدمين

عرف العرب في الجاهلية وصدر الإسلام بعض المعلومات الساذجة من علوم الأقدمين اليونان والفرس من طب وصيدلة، ولما جاء الإسلام لم يكن في الوقت متسع للانصراف إلى هذه العلوم ودراستها دراسة صحيحة، ولما اتسع الوقت للعلوم القديمة أن تظهر في كنف البلاط الأموي، وجدنا بعض الأطباء والفلاسفة الروم يقربهم الخليفة ويفيد من علمهم وفضلهم، كابن أثال الطبيب، وسرجون الكاتب، وماسرجويه الطبيب في عهد مروان الحكم.

9

ولكن العلم البيزنطي نفسه كان الوقت في دور الانحلال والتقهقر، ولذلك لم نر أثرا كبيرا لذلك الاتصال؛ فقد وصل العلماء البيزنطيون إلى زمن كان علمهم شرح كتب الأقدمين ووضع الحواشي عليها ليس غير.

ولما قام الأمير الأموي النابه خالد بن يزيد بن معاوية حكيم آل مروان (؟-85)، ينقب عن كتب الحكمة والكيمياء وعلوم الأقدمين، وأمر المترجمين أن يترجموها لهم. لم يكن ذلك العمل ذا أثر كبير؛ إذ لم يعقب ذلك العمل الابتدائي أية حركة أخرى بعده، وإنما هي أخبار تروى عن خالد إذا صحت الرواية.

10

ويقولون: إنه أول من أمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مصر، وقد تفصح بالعربية، وأمرهم بنقل كتب الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى اللسان العربي. يقول ابن النديم: الذي عني بإخراج كتب القدماء في الصنعة خالد بن يزيد بن معاوية، وكان خطيبا شاعرا فصيحا حازما ذا رأي، وهو أول من ترجمت له كتب الطب والنجوم وكتب الكيمياء، وكان جوادا، رأيت من كتبه كتاب الجرارات، كتاب الصحيفة الكبير، كتاب الصحيفة الصغير ، كتاب وصية إلى ابنه في الصنعة.

11

ويقول الأستاذ كرد علي: «وكانت الكتب التي ترجمت لأبي هاشم خالد بن يزيد، أول نقل أو تعريب في الإسلام في عاصمة الشام، وخالد بن يزيد هذا زهد في الخلافة وعشق العلم، وإذا أنشأ جده معاوية ملكا في الشام دام ألف شهر، فإنه أنشأ بعلمه مملكة باقية بقاء الدهر، وخالد بن يزيد أول من جمعت له الكتب وجعلها في خزانة في الإسلام؛ ففي دمشق إذن أنشئت أول دار كتب في العالم العربي، ودمشق أول عاصمة أنشئت فيها دار ترجمة؛ فأولى أبو هاشم بعمله هذه الأمة، وهذه العاصمة شرفا لا يبلى عليه الأيام ...»

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٣٤