تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني في ذلك حتى شرح الله له صدري.

فقال له أبو بكر: يا زيد، إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله

صلى الله عليه وسلم

فتتبع القرآن واجمعه. فكانت الصحف عند أبي بكر حياته ثم عند عمر.

2

ولما كثر المسلمون وانتقلوا في الفتوح في الشام ومصر والعراق وإفريقية وإيران في عهد عثمان، وحدث أن وجدت بعض الحوادث والفتن؛ بسبب بعض الاختلافات في آي القرآن وقراءته، وأخذ بعضهم ينسب إليه ما ليس فيه من أحاديث الرسول، وبلغت هذه الأخبار مسامع الخليفة، فأمر في سنة 30ه زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث المخزومي أن يكتبوا نسخا من القرآن، وقال: إن اختلفتم في حكمة فاكتبوها بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم. فلما كتبوها بعث بها إلى الأمصار الإسلامية: مكة والبصرة والكوفة ودمشق، وأبقى نسخة في المدينة ونسخة لنفسه، وصار المصحف العثماني مرجع الناس وعنه انتسخوا نسخهم، وأمر بإتلاف كل ما خالفها، ومنذ ذلك الحين أخذت علوم القرآن وقراءاته والروايات تنشأ في الشام والعراق. (2) الفقه والحديث

نزل الشام بعد الفتح الإسلامي جماعة من كبار الفقهاء، الذين نشئوا في مدرسة الرسول الكريم وسمعوا أقواله وأحاديثه، وتأدبوا بآدابه؛ منهم: أبو الدرداء الذي بعث به عمر لتعليم المسلمين في دمشق، والذي تولى قضاء دمشق في خلافة عثمان ومات سنة 32ه، ومنهم أبو ذر الغفاري الصحابي الزاهد الفقيه الجليل، ومنهم عبد الرحمن بن غنم الأشعري، الصحابي الذي بعثه عمر إلى الشام لتفقيه الناس، ومنهم فضالة بن عبيد الصحابي الذي ولاه معاوية قضاء دمشق وأمره على غزو الروم بحرا. وقد نبغ من الشاميين جماعة نشئوا على هؤلاء الرجال أمثال: بلال بن أبي الدرداء الذي تولى قضاء دمشق (؟-93)، وشهر بن حوشب الأشعري المحدث (؟-100)، وأبو مسلم الخولاني شيخ دمشق وزاهدها وعالمها، وغيلان بن مروان الدمشقي، الفقيه المتكلم، أحد كبار المعتزلة. (3) الشعر

نبغ في الشام جمهرة من الشعراء الفحول؛ فقد كان الشعر أرقى الشعب العلمية في ذلك العصر. وقد كان للخلفاء الأمويين كمعاوية ويزيد ومروان حب للشعر وتقدير لأهله، بل كان يزيد شاعرا مفلقا يحب الشعر وأهله، ويجزل العطاء على قوله، وكان فحول الشعر في هذا العصر جرير والفرزدق والأخطل، وهؤلاء الثلاثة وإن كانوا عراقيين إلا أنهم عاشوا في كنف شعراء أمية. والحق أن الشعر ازدهر أي ازدهار في عصر معاوية وأخلافه لأسباب سياسية واجتماعية وأدبية، فصلتها كتب الأدب، وقد انقسم الشعراء في هذه الفترة إلى أحزاب؛ فحزب علي له شعراؤه ومنهم: النعمان بن بشر الأنصاري (؟-65)، ويزيد بن مفرع الحميري (؟-69)، وأبو الأسود الدؤلي (؟-99).

وحزب معاوية له شعراؤه، ومنهم: مسكين بن عامر الدارمي (؟-90)، وأعشى ربيعة عبد الله بن خارجة (؟-85).

وحزب الزبير ومنهم: ابن قيس الرقيات (؟-75).

وحزب الخوارج، ومن شعرائهم: الطرماح بن حكم (؟-100)، وعمران بن حطان (؟-89)، وعبد الله بن الحجاج (؟-95).

وحزب المستقلين اللاهين في الحجاز بعد أن أقصاها معاوية عن السياسة، ومن شعرائها: جميل بن معمر (؟-82)، وعمر بن أبي ربيعة (؟-93)، وعبد الله بن عمر العرجي.

وهناك طائفة أخرى من الشعراء، إلا أن هذا ليس مجال التفصيل في أخبارهم وأحوالهم. (4) الخطابة

ازدهرت الخطابة في هذا العصر؛ فقد كان الخلفاء والأمراء خطباء يعولون على الخطابة في إبلاغ الناس مقاصدهم، والتأثير عليهم في نشر مبادئهم وأغراضهم. قالوا: كان معاوية ويزيد من أخطب الناس، وكذلك كان كثير من الأمراء الأمويين خطباء مصاقع يعجبهم القول المرتجل والحكمة البليغة. (5) الأخبار والتاريخ

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٣٣