تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد انقسم الناس في هذه البيئة الإسلامية إلى ثلاث طبقات متمايزة: (1)

طبقة المسلمين من عرب أو غيرهم. وقد كان لهم من الامتيازات ما جعلهم أعلى الطبقات؛ أما العرب فلأنهم رجال الدين الجديد وعماد الخلافة. وقد كان أكثر هؤلاء من أصحاب الإقطاع أو الجند. (2)

طبقة أهل الذمة من نصارى ويهود وصابئة ومجوس، وقد تمتع هؤلاء بحماية الدولة لهم لقاء دفعهم الخراج والجزية، وقد بقي من هؤلاء النصارى جماعة في لبنان لم يخضعوا للإسلام ولا للدولة الجديدة، متحصنين بجبلهم المنيع. وقد كانت لهم جولات ضد المسلمين. وقد كانوا ينتهزون فرص ضعف الدولة، فيقومون بحركاتهم التي تهدف إلى إيذاء المسلمين، وهؤلاء هم المسمون بالجراجمة والمردة. (3)

طبقة العبيد: وقد احتفظ الإسلام بنظام الرقيق الذي كان في الدولة البيزنطية، ولكنه حسن حالته، ودعا إلى الرأفة به وإصلاح حاله، ومنع استرقاق المسلم، ولكنه إذا أسلم بعد استرقاقه لا يعتق، وكان معظم الرقيق في هذا العهد من أسرى الحرب أو الغزو. ومما استحدثه الإسلام من أحكام الرقيق الرفيقة، عدم فصل الطفل عن أمه الرقيقة إلا بعد السابعة، ويستطيع أن يتزوج بأمة مثله، وله تطليقها، وأن يكتسب ويعمل، ويعطي له نصيبا ويبقي لنفسه نصيبا. وإذا تزوج السيد أمته وولدت له صارت أم ولد، ولها أحكام؛ فابنها حر، وهي واجبة التحرير بعد وفاة السيد، وقد فرض الدين تحرير الرقيق في كثير من أحوال التكفير عن الذنوب والخطايا الشرعية. وللسيد أن يعتق رقبة عبده إعتاقا آنيا أو مؤجلا من تدبير ومكاتبة. وقد كانت للمكاتبة أصول عند الرومان والبيزنطيين، إلا أن الشروط التي فرضها الإسلام هي شروط أعدل وأشفق بالعبد. وقد استحفظ الإسلام للعبد المولى صلة بمولاه وسماه حق الولاء، ولها علاقات بالإرث، وكثير من العلاقات الاجتماعية والقانونية من وصاية والتزام.

الفصل السادس

| في الحركات القلمية والعقلية

مقدمة

كانت الشام من البلاد ذات الثقافة العريقة منذ عهد حضارة الفينيقيين وحضارة رأس شمرا. أما بعد الاحتلال الروماني فقد عددنا أسماء طائفة من أئمة العلم، والفلسفة، والفقه، والأدب، والتشريع، والمحاماة في مقدمة الباب الخامس. وقد كان لمدارس أنطاكية وقيسارية وبيروت وتدمر ودمشق وحلب في العهد الروماني أثر كبير في إيجاد حركات علمية وعقلية ذات صيت عالمي مشهور.

وقد كانت اللغتان اللاتينية ثم اليونانية هما لغتا العلم والتأليف، وقد حفظت في خزائن أوروبا آثار كثيرة من تراث ذلك العهد، كما حفظت لنا مدارس الروم في أنطاكية وبيروت ودمشق والإسكندرية علوم الروم من فلك، وجغرافية، ورياضيات، وطب، فجمع علماء الإمبراطورية البيزنطية رومهم وعربهم وفرسهم هذه العلوم، وأكملوها ونشروها.

1

ولما جاء المسلمون هذه الديار ركدت الحركات الفكرية أول الأمر لسببين:

أولهما:

أن العرب الفاتحين كانوا ينظرون بحذر شديد إلى رجال الدين والتشريع، وهم رجال العلم في الدولة البيزنطية.

ثانيهما:

أن حركة العلم في الدولة العربية كانت بعد في عهد الإنشاء؛ فقد كان العرب أمة أمية، ولم يكن عمل الخلفاء الراشدين في هذا الحقل ذا أثر كبير، وكذلك كان الحال في الفترة الأولى من عهد بني أمية، ولكن على الرغم من ذلك فإن بداية بعض الحركات العلمية قد ظهرت وهذا تبيانها. (1) القرآن

في ولاية يزيد بن أبي سفيان على الشام كتب إلى عمر بن الخطاب يقول: إن أهل الشام قد كثروا وربلوا وملئوا المدائن، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن، ويفقههم فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم. فبعث إليه بمعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وقال لهم: ابدءوا بحمص، وليخرج واحد إلى دمشق، والآخر إلى فلسطين، فذهب عبادة إلى حمص، وأبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين. وهذه أول بعثة علمية تركت الحجاز إلى الشام، يرجع الفضل فيها إلى عمر، كما يرجع إليه الفضل في جمع القرآن للمرة الأولى. قال زيد بن ثابت: أرسلت إلى أبي بكر فأتيته فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني، فقال لي: إن القتل قد استحر بالقراء يوم اليمامة، وإني أخشى أن يستحر القتل في القراء في المواطن كلها، فيذهب كثير من القرآن، فأرى أن يجمع القرآن بالحال. فقلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله؟

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٣٢