50
وأما القبائل العربية التي سكنت الشام فكثيرة، منها الغساسنة الذين تنصروا، ومنهم آل جفنة ملوك دمشق، وحوران، والبلقاء، وحمص، واليرموك، والجولان، وقد استمر ملكهم نحوا من ستة قرون، ومنها التنوخيون، وقد تنصروا أيضا وحكموا بلاد الجزيرة منذ القرن الثالث الميلادي.
51
وأما اليهود فقد كانوا يسكنون في الشام منذ زمن إبراهيم - عليه السلام - حينما جاء من «الرها»، وسكن في «حبرون»، التي عرفت بالخليل، وقد وجدت آثار تاريخية تدل على قدم وجود اليهود في مدن الشام، كدمشق، وحلب، وحوران، وسائر بلاد الفينقيين في الألف الثاني قبل الميلاد.
ويروي الأستاذ كرد علي أن قائدي سيدنا عمر عندما فتحا الشام، انتقيا نفرا غير قليل من اليهود والمسلمين الدمشقيين من أرباب الصناعات والفنون الجميلة، وجيء بهم بعد إلى بلاد بخارى، فتوفروا على البناء المماثل تمام المماثلة للنسق الدمشقي من حيث طراز البناء ورسومه وأشكاله وأدواته، حتى يخيل لمن يزور تلك الأصقاع أنه في سوق أو في دار من أسواق الشام ودورها، ثم أخذ نزول اليهود في دمشق منذ أمد بعيد مشهود ومحسوس، من كنيس قرية جوبر التي تبعد بضع دقائق عن شرقي دمشق، وقد جاء ذكره في التلمود الموضوع أكثر من ألفي سنة، وأن اليهود لم ينقطعوا عن الشام لا سيما عند فتح المسلمين لها، إذ ثبتت أقدامهم فيها وتوفرت لهم أسباب الهناء والرخاء.
52
وأما الفرس: فقد قدموا إلى الديار الشامية منذ القديم. وقد كانت العلاقات بين الفرس والروم علاقات متوترة، فلم تكد الحروب تنقطع بين الجانبين، وكان الفرس إذا احتلوا الديار الشامية، أجلوا من أهلها إلى ديارهم، وأسكنوا بعض جاليتهم في مدن الشام الكبرى كحلب ودمشق، وآخر حملة حملوها على سورية كانت قبل الفتح الإسلامي في سنة 610، وقد فتكوا بالرومانيين وسيطروا على آسية الصغرى وسورية، وخربوا وغنموا.
53
وكانت لهم قبل ذلك حملات ورحلات تجارية إلى بلاد الشام، كما كان لهم علاقات ثقافية، وقد قويت هذه العلاقات التجارية والثقافية بعد الإسلام، وظهر أثرها في كثير من التقاليد والأنظمة التي ظهرت في البلاط الأموي بدمشق، فقد رأينا في كلام المسعودي الذي وصف فيه مجالس معاوية وطريقته في قضاء يومه، أنه كان يخلو بنفسه فيسامر جماعة من أهل الفضل، أو يقرأ في كتاب الأقدمين من فرس وروم؛ ليطلع على أخبارهم ويعرف أحوالهم. وروى محمد كرد علي أن الفرس سكنوا منذ القديم في بعلبك، وأن معاوية نقل قوما من الفرس إلى طرابلس، وجبيل، وصيدا، وصور، وبيروت، كما نقل قوما من فرس بعلبك وحمص وأنطاكية إلى سواحل الأردن، وصور، وعكا في سنة 42، ونقل من أساورة البصرة والكوفة.
54
ويظهر أن هؤلاء الفرس كانوا بحارة، فلما أراد معاوية تنظيم الأسطول العربي استعان بهم، فجاء بهم إلى السواحل السورية.
وأما الزط: وهم قوم من الهنود الذين سكنوا العراق منذ زمن بعيد؛ فقد روى البلاذري أن معاوية نقل في سنة 49 أو سنة 50 إلى السواحل قوما من زط البصرة والسبايجة.
55
وأنزل بعضهم أنطاكية، ويظن أنه أراد الاستعانة بهم لتنظيم أمور الثغور.
وبعد، فقد كان لاختلاط هؤلاء الأقوام في الديار الشامية أثره الفعال في تلقيح الثقافات المختلفة، وإيجاد نظم قوية لدولة فتية. والفضل في ذلك كله يرجع إلى معاوية الذي أسس الدولة وشاد قواعدها، وانتقى لها العناصر الصالحة التي تستطيع أن تعينه على قهر خصمه الأول، وهو الروم الذين أخذ يعبئ قواه البرية والبحرية لهم؛ فقد رأينا عنايته بأمور الأسطول واهتمامه ببناء دور الصناعة في عكا وصيدا وصور وغيرها من المرافئ الشامية. ولا شك في أن عمال دور الصناعة وبحارة السفن، كانوا من الروم السوريين والفرس والزط الذين رأينا معاوية يملأ الموانئ السورية بهم.