43
ودمشق موصوفة منذ القديم بكثرة مياهها، وتعدد أنهارها، وروعة بساتينها، وكثرة فاكهتها وزهرها. قال ياقوت: «دمشق هي قصبة الشام وجنة الأرض بلا خلاف؛ لحسن عمارة ونضارة بقعتها، وكثرة فاكهتها، ونزاهة رقعتها، وكثرة مياهها.» وقال أبو بكر الخوارزمي: «من خصائص دمشق التي لم أر في بلد آخر مثلها، كثرة الأنهار بها، وجريان الماء في قنواتها، فقل أن تمر بحائط إلا والماء يجري في بركة في صحن هذا المكان.» وما يزال هذا الوضع كما كان عليه في السابق.
وقد وصف المدينة الرحالة ابن جبير لما زارها في ربيع الآخر سنة 580: «جنة المشرق ومطلع حسنه المونق، وهي خاتمة بلاد الإسلام التي استقر بناها، وعروس المدن التي اجتليناها، وقد تجلت بأزاهر الرياض، وتجلت في حلل سندسية من البساتين؛ ظل ظليل، وماء سلسبيل. وقد أحدقت البساتين بها إحداق الهالة بالقمر، واكتنفها اكتناف الكمامة للزهر، وامتدت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر.» ثم أطنب في وصف الجامع وجمال بنائه وفخامة زخرفته، ثم وصف الأمكنة والمشاهد الجليلة المعروفة في المدينة من مشاهد دوارس، ومشافي، وبيمارستانات، وحدائق، وكنائس، وأديرة، ويظهر أن سور المدينة القديم كان ما يزال باقيا إلى ذلك العصر الذي زارها ابن جبير فيه.
44
وهذا السور راجع إلى ما قبل الفتح الإسلامي، ويقول فون كريمر: إن علو هذا السور المحيط بالمدينة كان عشرين قدما وسمكه خمسة عشر، مكون من حجارة ضخمة جدا، تكاد تكون من عمل الجن، وهي حجارة مربعة، وهي مبنية في بعض المواضع على خط يرجع أسلوب بنائه إلى ما قبل العصر اليوناني.
45
ولا تزال أطلال هذا السور وأبواب المدينة الضخمة باقية إلى أيامنا هذه تؤيد ما يقوله فون كريمر.
وعلى الرغم من النكبات التي حلت بالمدينة خلال العصور من غزو الفرس، فإن ما كان يبذله الأباطرة الرومان من إصلاح سورها، وقلاعها، وأبوابها، وخندقها المحيط بالمدينة، وبخاصة في عهد الإمبراطور «ديو كلشيان».
46
فإنها كانت حين الفتح العربي محكمة الأسوار، متينة الأبواب، كما حدثنا المؤرخون العرب الذين صوروا لنا حصارها، كالطبري وابن الأثير والبلاذري.
أما سكان الشام الأصليون فهم: الحثيون، والآراميون، والسريانيون، والفينيقيون، والعرب، والعبرانيون، وقد اجتمعت كل هذه العناصر في العاصمة دمشق، أما العنصر البارز في المدينة على العهد الأموي، فالنصارى من الروم والسريان والعرب، ثم اليهود والفرس والزط، أما النصارى فقد كانوا الكثرة الساحقة حين الفتح الإسلامي؛ فقد روى البلاذري في فتوح البلدان، ص127: «أنه لما فرغ المسلمون من قتال من اجتمع لهم بالمرج، أخذوا الغوطة وكنائسها عنوة وتحصن أهل المدينة وأغلقوا بابها.» وفي كتاب الصلح الذي أعطاه خالد لأهل المدينة: هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق، إذا دخلها أعطاهم أمانا على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم.
47
فهو قد ذكر الكنائس؛ لأن أكثر أهل المدينة كانوا نصارى وهم الحكام، أما غيرهم من يهود ووثنيين وفرس، فإنهم كانوا قلة، ويظهر أن كثيرا من النصارى قد غادروا المدينة بعد الفتح ولحقوا بهرقل وهو في أنطاكية. روى الواقدي أن دمشق لما فتحت لحق بشر كثير من أهلها بهرقل وهو بأنطاكية، فكثرت فضول منازلها فنزلها المسلمون.
48
وفي كتاب الفتوح للبلاذري أن أبا عبيدة لما فرغ من أمر دمشق سار إلى حمص فمر ببعلبك، فطلب أهلها الأمان والصلح، فصالحهم على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم، وكتب كتابا صورته «هذا أمان لفلان بن فلان، وأهل بعلبك رومها وفرسها وعربها على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم ودورهم».
49
وأما العرب فقد دخلوا ديار الشام منذ زمن بعيد جدا. قال الأستاذ كرد علي: لم تطل حياة عنصر في صحة ببلاد الشام، كما طالت حياة العرب، فإنهم فيها على أصح الأقوال منذ ألفين وخمسين سنة، وأوصله بعضهم إلى نحو أربعة آلاف سنة، وهم الذين اندمج فيهم عامة الشعوب القديمة واستعربت، فلم تعد تعرف عن العربية لسانا ومنزعا، ثم أورد عدة أدلة، ومنها أن الإسكندر لما جاء إلى غزة وحاصرها، كانت حاميتها عربا فقاومته أشد المقاومة، ومنها أن أحد تلامذة المسيح بشر بلغات عديدة، منها اللغة العربية كما ورد في أعمال الرسل، ومنها أن الحارث - حاكم دمشق - كان عربيا لما دخلها بولس الرسول، كما ورد في رسالته إلى أهل مدينة كورنتوس.