24
وهذا حق، فإن بني أمية قد نظموا أمور الحجابة؛ فشددوا فيها بعض الأحيان. كان الحجاب في أيام أبي بكر وعمر يتساهلون كل التساهل. ويروى أن يرفأ مولى عمر وحاجبه هو أول من ارتشى في الإسلام؛ فقد ذكر أبو نعيم أن يرفأ ارتشى من المغيرة بن شعبة؛ ليسهل عليه الدخول إلى عمر، ويخبره عن بعض أوضاع عمر.
25
ويظهر أن عثمان قد تشدد في الحجابة بعد حادثة عمر، أما علي فكان لا يمنع أحدا من الدخول عليه، ولما انتهت الدولة الراشدية وجاء معاوية نظم أمر الحجاب على الشكل الذي حدثنا به ابن خلدون. وقد كان لمعاوية حاجب اسمه سعد أبو درة، ذكره ابن عساكر فقال: «كان حاجبا لمعاوية، ثم لعبد الملك بن مروان»، وروي عن أبي المعطل الكلابي قال: أقبل رجل من الصحابة يقال له أبو مريم غازيا زمن معاوية، حتى بلغ الجفر فتذكر حديثا، فرجع إلى دمشق فدخل على معاوية، فرحب به فقال أبو مريم: إني لم أجئك طالب حاجة، ولكن سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول: «من أغلق بابه دون ذوي الفقر والحاجة أغلق الله عن فقره وحاجته باب السماء»، فبكى معاوية ثم قال: ردد حديثك. ثم أرسل خلف سعد، وقال له بعد أن حدثه حديث أبي مريم: اللهم إني أخلع هذا من عنقي وأجعله في عنقك، من جاء يستأذن فأذن له.
26 (6) الجيش
يظهر أن معاوية قد حور نظام الجيش عما كان عليه في عهد الخلفاء الراشدين، فقد اقتبس بعض الأنظمة العسكرية البيزنطية، فكانت الفرقة مؤلفة من خمسة أجزاء: القلب، والميمنة، والميسرة، والطليعة، والساق، كما أدخل بعض ألبسة الجند البيزنطي كالسروج المستديرة البسيطة، واتخذ بعض آلات الحرب التي كان الروم يستعملونها كالعرادة والمنجنيق والدبابة.
أما الجيش فبعد أن كان عربيا صرفا في العهد الراشدي، صرنا نجد فيه بعض العناصر غير العربية من روم وفرس وبخاصة في قسم البحرية. وقيل إن الجيش النظامي قد بلغ في عهد معاوية ستين ألف مقاتل، وأن عطاءهم السنوي بلغ نحوا من ستين ألف ألف درهم.
27
وكان المقاتلة البحريون على نمط المقاتلة البحرية عند البيزنطيين، كما كانت السفينة الحربية العربية على نمط السفينة الحربية البيزنطية، وكانت في كل واحدة منها ما لا يقل عن خمسة وعشرين مقعدا للتجديف في كل واحد من ظهري السفينة الأسفلين يجلس على المقعد رجلان عدا المقاتلة، وكان الملاحون مسلحين أيضا.
ترتيب العمارة البحرية: طلب معاوية من عمر أن يأذن له بغزو الروم بحرا فنهاه عن ذلك، فلما تولى عثمان أعاد الطلب، فأذن له على ألا يحمل أحدا من العرب على ركوب البحر، فصار المسلمون يركبون البحر، وبلغ الأسطول الأموي في وقت ما نحوا من ألفي سفينة، وقد اتخذ معاوية في عهدي إمارته وخلافته دورا للصناعة والقيام بتراتيب العمارة البحرية في كل من صيدا وصور والإسكندرية، وجزائر صقلية، وإقريطش ورودس وسردانية والبليار، واتخذ معاوية بموافقة عثمان قرارا بإيجاد إمرة للأسطول العربي، يتولى صاحبها الإشراف على الموانئ والمنائر، ودور الصناعة، وقضايا التجارة البحرية، والحملات الحربية البحرية. (7) العمالة
اتسعت الدولة الإسلامية في عهد بني أمية إلى أقصى حدودها، وكانت منقسمة إلى خمس عمالات كبرى: (1)
الحجاز واليمن وأواسط بلاد العرب، وحاضرتها المدينة. (2)
العراقان، العربي والعجمي، وحاضرتهما الكوفة، ثم البصرة، يتبعه خراسان والمشرق إلى ما وراء النهر، وكانت هذه الأقطار تابعة لعامل العراق أو واليه، وهو يولي عاملا من قبله في مرو والمشرق. (3)
مصر، وحاضرته الفسطاط. (4)
الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، وعاصمتها الموصل. (5)
إفريقية الشمالية، وبلاد الأندلس، وجزر صقلية، وسردانية، والبليار، وحاضرتها القيروان، ويولي عامل إفريقية من قبله حكاما على الأندلس والجزر.