تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

ومنهم الأخطل الشاعر وقصصه مع الأمويين معروفة، وغيرهم من عقلاء نصارى الشام وأهل الذمة. (4) الكتابة والتراتيب الإدارية

اتخذ الرسول كتابا يكتبون له الوحي، وكتابا يكتبون له الأمور الدنيوية، ومن كتاب الرسول

صلى الله عليه وسلم

عمر، وعلي، وعثمان، وزيد بن ثابت، ومعاوية، وسعيد بن العاص، والمغيرة بن شعبة.

19

ولما ولي أبو بكر اتخذ عثمان كاتبا له، فنظم له ديوان الدولة، ولما ولي عمر اتخذ ثابتا وعبد الله بن الأرقم

20

كتابا، واتخذ عثمان مروان بن الحكم كاتبا له، واتخذ علي عبد الله بن أبي رافع كاتبا له. ويروي الجهشياري أن عليا أوصاه بقوله: يا عبد الله ألق دواتك، وأطل شباة قلمك، وفرج بين السطور، وقرمط بين الحروف.

21

ولا شك في أن هؤلاء الكتاب كانوا يكتبون ما يملى عليهم للخليفة، وقد يعطيهم الفكرة فيكتبونها، ثم يقرءونها عليه، فإذا أعجبته وقع عليها. ولما ولي معاوية عدد الكتاب، وجعل لكل مصلحة من مصالح الدولة ديوانا خاصا، وفي عهد معاوية صار الكتاب خمسة أصناف: (1) كاتب الرسائل. (2) كاتب الخراج والمستغلات. (3) كاتب الجند. (4) كاتب الشرطة. (5) كاتب القاضي. وأكبر هؤلاء الكتاب مكانة هو كاتب الرسائل، وكان الخلفاء لا يولون هذا المنصب إلا الأمين المأمون الشريف، وقلما اختاروا له شخصا من غير بني أمية أو أشراف العرب، وقد استمروا على ذلك طول العهد الأموي، وكان صاحب هذا الديوان لا يقل عن الوزير في العصر العباسي، وكان ديوان الخاتم تابعا لصاحب ديوان الرسائل، وهو ديوان أحدثه معاوية، وكانت قبلئذ الرسائل غير مختومة، وكان أحال رجلا على زياد ابن أبيه - عامله على العراق - بمائة ألف درهم، فمضى الرجل وجعل المائة مائتين، فلما رفع زياد حسابه إلى معاوية أنكر هذا العدد، وقال: ما أحلته إلا بمائة ألف، ثم استعاد المائة ألف ووضع ديوان الخاتم، فصارت الرسائل لا تصدر إلا مختومة لا يعلم أحد ما تشتمل عليه، ولا يستطيع أن يغيرها في شيء.

22

أما ختم الرسائل بوضع خاتم في آخرها، فقد كان منذ عهد النبي؛ فقد رووا أنه لما أراد أن يكتب إلى الملوك قيل له: إن الملوك لا يقبلون كتابا إلا إذا كان مختوما، فاتخذ خاتما من فضة ونقشه: «محمد رسول الله»، وختم به أبو بكر وعمر وعثمان إلى أن سقط من يد عثمان في بئر أريس، فصنع آخر مثاله (مقدمة ابن خلدون، ص220). ومن إصلاحات معاوية الإدارية أنه ضرب أنواع العملة؛ فسك دنانير عليها صورته وبيده سيف، كما سك دراهم وزن الواحد منها ستة دوانق، وسك عامله على العراق دراهم وزن العشرة منها ستة مثاقيل.

23

ولكن يظهر أن هذه العملة كانت محدودة الكمية؛ فإنها لم تستطع أن تقضي على العملات الأجنبية من دنانير رومية أو دراهم ساسانية. وسنرى أن عبد الملك بن مروان هو الذي خطا في هذا المضمار الخطوة الرئيسية. (5) الحجابة

كان للرسول والخلفاء الراشدين حجاب، ولكنهم ما كانوا يتشددون في الحجاب، ولا يمنعون أحدا من الدخول عليهم إلا في الأوقات التي يخلون فيها بأنفسهم وأهلهم وأولادهم غالبا، وكانوا يسيرون بالناس على الطريقة العربية. فلما انتقل الأمر إلى بني أمية اتخذ معاوية حجابا على بابه يمنعون الناس من الدخول إلا بإذن وسؤال؛ خوفا على نفسه من شر الخوارج والمفسدين والثقلاء، وتلافيا من حصول الفوضى في مجالس الخلافة، على أن معاوية لم يستطع أن يحتجب عن الناس تماما؛ فقد رأينا في كلام المسعودي الذي صور لنا فيه كيف كان معاوية يقضي يومه، أنه كان يخصص بعض ساعات يومه للناس عامة لا يحتجب دون أحد. يقول ابن خلدون: لما انقلبت الخلافة إلى ملك (أي في العهد الأموي)، وجاءت رسوم السلطان وألقابه، كانوا أول شيء بدئ به في الدولة شأن الباب وسده دون الجمهور، بما كانوا يخشون على أنفسهم من اغتيال الخوارج وغيرهم، كما وقع لعمر، وعلي، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وغيرهم، مع ما في فتحه من ازدحام الناس عليهم، وشغلهم بهم عن المهمات، فاتخذوا من يقوم بذلك وسموه الحاجب.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٢٥