Institutos .
15
ومنهم المؤرخ الفقيه أفاغربوس الحموي (؟-بعد سنة 594).
16
وغيرهم من الأئمة الأعلام الذين ضربوا بسهم وافر في علم التشريع والقوانين وترتيب الدول وأنظمتها. ولا شك في أن هذا التراث العلمي العريق قد وجد الأرض الطيبة في عهد الراشدين، ثم في عهد الأمويين. وقد استعان معاوية بنفر من أئمة التشريع والفقه الروماني من نصارى أهل الشام، كمنصور الرومي وسرجون الرومي وغيرهما. (2) الخلافة
كانت الخلافة في العهد الراشدي خلافة شورية على الرغم من اللمحات الاستبدادية التي كانت تتجلى على بعض تصرفات أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ولكنها في الأكثر كانت ذات أسلوب إسلامي جماعي ديموقراطي، فلما جاء عهد أمية استحالت إلى ملك استبدادي، ولم يمكن الناس أن يثوروا على هذه البدعة؛ لأن الرجل الذي تقلد الأمر كان رجلا مرنا، ذا هيبة، يؤذي ويداري ويجرح ويداوي، ثم إنه سلك بالناس مسلكا حسنا، فوجه العرب إلى الفتح والجهاد في سبيل الله، وأحسن سياسة غير العرب، فلم يرهقهم ولم يقس عليهم، ووحد أركان الدولة الجديدة بمخترعاته في التنظيم والترتيب والسياسة، فأحبه الناس وآزروه ، ثم إنه نقل عاصمة الخلافة من مقرها الأول المتزمت المتشدد إلى مقر جديد يكونه كما يريد، ثم إن القوم الذين أقام بينهم في عاصمته هم قوم مسالمون مطيعون، يحبون المال، ويكرهون الشغب، وقد يسر لهم معاوية ذلك، فالتفوا حوله وآزروه، وأعانوه بعلمهم ومقدرتهم وما ورثوه من تقاليد الدولة المنقرضة وآدابها وتراتيبها الإدارية والدولية، فرتب الخلافة تراتيب جديدة، وأقام على بابه الحجاب والشرطة، واتخذ المقصورة يصلي فيها بعيدا عن الناس، ثم جعل نظام ولاية العهد على الأسلوب الكسروي، فنقلها من الشورى التي كانت عليها أيام الراشدين إلى الميراث، ولا شك في أنه قد تأثر بنظام ولاية العهد البيزنطي الرومي أو الساساني الفارسي. ثم إن معاوية قد رأى أن الأمر في زمانه لم يبق كما كان أيام الرسول
صلى الله عليه وسلم
وأن الملك غير الخلافة، فالملك يستند على السياسة والخلافة تستند على الدين، ولا مانع عنده من أن يجنح إلى السياسة، ولو كان في ذلك خروج عن بعض تعاليم الدين إذا ما اقتضت مصلحة المسلمين ذلك؛ لأن ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وإذا تعارضت الفكرة الدينية بالمصلحة الدنيوية يجب الأخذ بالمصلحة؛ ومن أبرز الأدلة على ذلك استلحاقه زيادا بأبيه أبي سفيان، وعدم اكتراثه بكل ما قيل فيه؛ لأنه رأى أن المصلحة الدنيوية تقضي بذلك؛ ومن ذلك أنه أوجد سرير الملك على نمط العرش البيزنطي والساساني، وهذا أمر يخالف روح الفكرة الديموقراطية التي سار عليها الخلفاء من قبله، ولكنه رأى أن المصلحة تقضي بذلك فعمله. قال صاحب صبح الأعشى في الفصل الخاص برسوم الملك وآلاته، ومنها «سرير الملك»، ويقال له تخت الملك، وهو من الأمور العامة للملوك، وقد تقدم أن أول من اتخذ مرتبة للجلوس عليها في الإسلام معاوية حين «بدن»، ثم تنافس الخلفاء والملوك بعده في الإسلام حتى اتخذوا الأسرة.
17
وقال ابن خلدون: (3) الوزارة
لم يتخذ الرسول، ولا الخلفاء الراشدون، ولا الأمويون وزيرا بالمعنى الذي نفهم، والذي وجد في العصر العباسي، وإنما كان الخلفاء الراشدون والأمويون يستعينون على حل بعض القضايا بمشاورة كبار أهل الرأي من رجالات الدولة، فكان أبو بكر يشاور عمر وعثمان وعليا، وغيرهم من كبار رجالات الصحابة، وكان عمر وعلي يقضيان بين الناس، ويحلان كثيرا من المشاكل التي اعترضت أبا بكر في عهده، وكان لأبي بكر مجلس يجمع فيه أهل العلم والدين والعقل، ويشاورهم فيما يحل به من قضايا المسلمين، وكذلك كان عمر وعثمان وعلي من بعده. فلما تولى معاوية وسلك بالدولة الإسلامية ذلك المسلك الجديد، لم يستطع أن يبدل كل شيء في الأسلوب القديم، فلم يتخذ نظام الوزارة الفارسي أو البيزنطي، ولم يقيد الخليفة بقيود بعيدة عن روح الإسلام والعقلية العربية، ولكنه أبقى للتقاليد العربية سلطانها، بل يمكننا أن نقول: إن العهد الأموي كان رجوعا إلى التقاليد الجاهلية التي تجعل لشيخ القبيلة السلطان المطلق في تصريف الأمور، وهذا ما جعل الفقهاء ينظرون إلى الخلفاء الأمويين، كأنهم ملوك مستبدون لا خلفاء يمثلون النبي، ويقومون بتنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية. ولم يتخذ الأمويون وزراء بالمعنى الذي نعرفه في العصر العباسي، وإنما كان لهم كتاب وأناس يستشيرونهم، ولو لم يكونوا من المسلمين؛ كما رأينا في تقريب معاوية لمنصور الرومي وسرجون الرومي، وأسرة سرجون «سرجيوس» أسرة نبيلة ساهمت في تولي الوظائف الإدارية والمالية في العهد البيزنطي، وممن برز اسمهم في هذا العصر من النصارى السوريين حفيد القديس يوحنا الدمشقي، الذي كان أحد ندمان يزيد وأهل مشورته، ومنهم الطبيب ابن أثال الذي كان طبيب معاوية، ثم ولاه جباية خراج حمص.