تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

ولما بعث إليه أخوه مصعب بوجوه أهل العراق أوصاه بالإحسان إليهم وعطائهم، فلم يعطهم شيئا وردهم شر رد، ولم يكن كذلك خصومه من بني أمية؛ فقد كان مروان وعبد الملك مساميح أجوادا أفاضوا على الناس والشعراء خيرات وأموالا، فسبحوا بحمدهم ونشروا دعوتهم.

قال علي بن زيد الجدعاني: كان عبد الله كثير الصلاة، كثير الصيام، شديدا على الناس، كريم الجدات والأمهات والخالات، إلا أنه كانت فيه خلال لا يصلح معها للخلافة؛ لأنه كان بخيلا، ضيق العطاء، سيئ الخلق، حسودا، كثير الخلاف، أخرج محمد ابن الحنفية، ونفى عبد الله بن عباس إلى الطائف.

10

وهكذا قضي على ابن الزبير وحركته، التي كانت تهدف إلى إرجاع عاصمة الإسلام إلى الحجاز، كما كانت على عهد الرسول، وكان هو معتزا بذلك، ساعيا له، ولما طلب إليه أن يترك الحجاز إلى الشام امتنع، ولو أنه ذهب لاستقامت له الأمور، ولكنه لم يقبل فقضى على نفسه، رحمه الله.

الفصل الخامس

| في التنظيمات والتراتيب الإدارية

في العهد الأموي الأول (1) مقدمة في التراتيب الإدارية في سورية قبل الإسلام

كانت بلاد الشام ولاية رومانية منذ عهد بومبوس الروماني، الذي افتتحها في القرن الأول ق.م. 64، وجعل عاصمتها أنطاكية، ولما فتحها المسلمون كان السلطان الروماني والإدارة التراتيب والأنظمة الرومانية متغلغلة فيها منذ أكثر من سبعة قرون خلت، وقد عهدوا بتدبير شئونها إلى ولاة رومانيين، كما أنهم أبقوا بعض الأسر الحاكمة القديمة إلى أن نسخوا ولايتهم على التعاقب.

1

وكانت للسوريين قبل الفتح ندوات ومجالس بلدية، تعنى بمهام البلاد الداخلية، وتصلح شئونها، وتهتم بتوسيع نطاق تجارتها، وتجميل أبنيتها في أنطاكية ودمشق وتدمر.

2

وكانت ديار الشام في ذلك أكثر زراعة، فإن كثيرا من البقاع التي وصفت بأنها جنات ومزارع صارت فيما بعد صحارى قاحلة.

3

وكانت الغوطة في منتصف القرن الرابع

4

تسمى لؤلؤة عقد سورية وشامة الدنيا، وكانت صادراتها الزراعية من حبوب وخمور وزيوت وفواكه ذات شهرة واسعة في أرجاء العالم.

5

كما كانت مصنوعاتها من نسيج القطن والحرير والكتان وآنية الزجاج والنحاس مضرب الأمثال، فكانت تنقل إلى كافة أرجاء المعمورة.

6

وكان التجار السوريون يرحلون إلى أقاصي الهند والصين وأوروبا، وكانت لهم مخازن ومراسي في موانئ إيطالية وإسبانيا وبحر الهند.

7

ولا شك في أن لهؤلاء التجار قوانين وتراتيب وأنظمة، سنتها حكومتهم لتنظيم شئونهم الاقتصادية وعلاقاتهم بالدول الأخرى تجدها إما في كتب الفقه والتشريع الروماني، أو على الأحجار واللوحات والآثار التي بقيت من ذلك العهد.

وقد تغلغلت الديانة المسيحية في سورية منذ القرن الأول المسيحي، وخلفت لنا المسيحية آثارا عقلية وعلمية وأدبية رائعة أنتجتها عقول السوريين في ذلك العصر.

8

ولا سيما المشرعين منهم، والقانونيين، والفلاسفة؛ أمثال فرفير الصوري «فورفوريوس» الفيلسوف الأشهر، تلميذ فلوطين (؟-305م) والأسقف أوسابيوس أسقف قيصرية؛ فقد كان من رجال الدين والعلم والفلسفة والتاريخ والقانون والجغرافية (؟-338م).

9

وأوسابيوس أسقف قيصرية؛ فقد كان من أئمة البلاغة والتاريخ والقانون.

10

والقديس يوحنا فم الذهب الأنطاكي الخطيب العالم المشرع الأشهر (؟-407م).

11

وسوزومانس المؤرخ السوري الأشهر، والفقيه المحامي بعد سنة 439.

12

ومنهم إيناي الغزي الفيلسوف المسيحي (؟-521).

13

ومنهم القديس سمعان العمودي الزاهد العالم، صاحب الدير المعروف باسمه إلى الآن في سورية (؟-459).

14

ومنهم المعلم دوروتاوس أحد معلمي مدرسة الشريعة في بيروت، وكان من جملة من استدعاهم الملك جوستنيان لتنقيح الشرائع وتدوين اللغة، فكان هو والمعلم تريبونيان رئيس اللجنة التي شكلها جوستنيان صاحبي الفضل الأكبر في إيجاد مدونة جوستنيان

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٢٣