5
ثم كان من أمر يوم مرج راهط ما رأيناه.
وأما مصر، فإنها بايعت ابن الزبير، وكذلك كان حال أهل خراسان والمشرق، وهكذا بايع المسلمون في أكثر الأقطار لابن الزبير، وكاد يتم له الأمر، لولا مبايعة الشاميين لمروان، ثم لابنه عبد الملك اللذين استطاعا أن يقفا وقفة جبارة أمام ابن الزبير فانتزعا منه مصر، وهلك مروان وخلف لابنه عبد الملك مشكلتين جسيمتين.
أولاهما: فتنة المختار بن أبي عبيد الثقفي التي سنتحدث عنها بعد، والثانية: فتنة ابن الزبير. كان ابن الزبير قد بعث أخاه مصعبا أميرا على العراق، وفي سنة 70 أقبل عبد الملك إلى العراق فاستعد له مصعب، ولكنه لم يستطع الوقوف أمامه؛ لأن جندا كثيرا من جند ابن الزبير، وعلى رأسهم المهلب بن أبي صفرة كانوا قد تعبوا من محاربة الخوارج، فاستطاع عبد الملك أن يستميلهم إلى جانبه، والتقى الجمعان عند باخمرا، فقتل مصعب بعد أن أبلى بلاء حسنا، ودخل عبد الملك الكوفة فبايعه أهلها سنة 71ه، وتمكن من السيطرة على العراق.
6
ولم يبق في يد عبد الله بن الزبير سوى الحجاز.
فلما توطد أمر العراق لعبد الملك وجه من العراق جيشا كثيفا بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي لقتال ابن الزبير، وبعث معه أمانا لابن الزبير إن هو أطاع، فسار في جمادى الأولى سنة 72ه، فنزل بالطائف، فكان يناوش ابن الزبير وهو هناك، ثم كتب إلى عبد الملك يستأذنه في دخول الحرم، فأذن له، وقدم مكة محرما في ذي الحجة، فحج بالناس إلا أنه لم يطف ولم يسع بين الصفا والمروة؛ لأن ابن الزبير منعه، وحصر ابن الزبير فلم يستطع الحج، ثم نصب المنجنيق على أبي قبيس، ورمى به، فأصاب الكعبة، واشتد الحصار على أهل مكة حتى غلت الأسعار، فخرج أهل مكة مستأمنين إلى الحجاج، وممن استأمن ابنا عبد الله: حمزة وحبيب، فدخل عبد الله على أمه أسماء بنت أبي بكر وقال لها: يا أماه، خذلني الناس حتى ولدي وأهلي، ولم يبق معي إلا اليسير، ومن ليس عنده إلا صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: أنت أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن قتل معك، وإن قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين؛ كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن.
فقال: يا أماه، أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني.
قالت: يا بني إن الشاة لا تتألم بعد القتل من السلخ، فامض على بصيرتك واستعن بالله. فقبل رأسها وقال: هذا رأيي، والذي خرجت به دائبا إلى يومي هذا، ما ركنت إلى الدنيا، ولا أحببت فيها الحياة، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله، وأن تستحل حرماته، ولكني أحببت أن أعلم رأيك، فقد زدتني بصيرة، فانظري يا أماه، فإني مقتول في يومي هذا فلا يشتد حزنك، وسلمي لأمر الله.
فقالت: أرجو أن يكون عزائي فيك جميلا.
7
ثم طفقت تدعو له وتشجعه حتى ذهب فقاتل قتالا عجيبا، وأظهر من الشجاعة والجلد ما أدهش الحجاج وصحبه، ثم تمكن منه العدو فقتله، ثم صلبه، فتناولته أمه فغسلته وطيبته، وصلت عليه وكانت تقول: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني بجثته. فما إن أتت عليها جمعة حتى ماتت.
8 (3) خاتمته ومناقبه
قتل ابن الزبير في جمادى الآخرة من سنة 73 وهو ابن 72 سنة، وتمكن الحجاج بن يوسف بقتله أن يسيطر على الحجاز وينظمه في سلك البلاد الخاصة لمولاه عبد الملك، وكان موقف عبد الله بن الزبير في وجه الحجاج موقفا يدل على قوة نفس وإيمان عميق بحقه، وقد رأينا ذلك في حواره الأخير مع أمه. والحق أن عبد الله قد أوفى كثيرا من الصفات الجليلة التي تخوله أن يقوم بحركته؛ من التقوى والشدة والدهاء، ولكنه كان ينقصه بعض الصفات الرئيسية للسيادة، كالكرم وتنظيم الدعاية والمسايرة؛ فقد كان قاسيا لا يساير، وكان لا يهتم بخصومه، وكان بخيلا يضن بالمال حتى على أقرب المقربين منه، وفي أشد المواقف حراجة؛ فقد روى ابن الأثير أنه لما اشتد حصار الحجاج على أهل مكة وأصابت الناس المجاعة لم يخرج لهم ما في بيوته، وإنها لمملوءة قمحا وشعيرا وذرة وتمرا.