لقد بدلوا الحكم الذي من سجيتي
فبدلت قومي غلظة بليان
ثم قال: أما يكون بنو أمية ومواليهم ألف رجل؟ فقال عبد الملك: بلى والله وأكثر. قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من نهار؟ فقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين، أجمع الناس عليهم فلم يكن لهم بجمع الناس طاقة. قال: فبعث إلى عمرو بن سعيد فأقرأه الكتاب، وأمره أن يسير إليهم، فاعتذر. قال عبد الملك: فبعثني بالكتاب إلى مسلم بن عقبة المري، وهو شيخ كبير ضعيف مريض، فدفعت إليه الكتاب، فقرأه وسألني عن الخبر فأخبرته، فقال لي مثل مقالة يزيد، ثم جاء حتى أتى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين لا تنصر هؤلاء فإنهم الأذلاء، أما استطاعوا أن يقاتلوا يوما واحدا أو شطره أو ساعة؟! دعهم يا أمير المؤمنين حتى يجهدوا أنفسهم في جهاد عدوهم. قال: ويحك، إنه لا خير في العيش بعدهم، فاخرج وسر بالناس. فخرج مناديه فنادى أن سيروا إلى الحجاز على أخذ أعطياتكم كملا ومعونة مائة دينار. فانتدب لذلك اثني عشر ألف رجل، وخرج يزيد إلى الخيل يتصفحها وينظر إليها وهو متقلد سيفه، متنكبا قوسا عربية وهو يقول:
أبلغ أبا بكر إذا الليل سرى
وهبط القوم على وادي القرى
عشرون ألفا بين كهل وفتى
أجمع سكران من القوم ترى
أم جمع يقظان نفى عنه الكرى
يا عجبا من ملحد يا عجبا
مخادع في الدين يقفو بالعرى
ثم قال لمسلم بن عقبة: إن حدث بك حدث فاستخلف حصين بن نمير السكوني، وادع القوم ثلاثا فإن هم أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثا، فما فيها من مال أو رقة أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس، وانظر علي بن الحسين فاكفف عنه، واستوص به خيرا، وأدن مجلسه، فإنه لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه، وقد أتاني كتابه. وأقبل مسلم بالجيش حتى إذا بلغ الحرة خارج المدينة وعلم المدنيون بذلك، ازداد تضييقهم على الأمويين ، وقالوا: والله لا نترككم حتى تعطونا موثقا أن لا تبغونا غائلة، ولا تدلوا لنا على عورة، ولا تظاهروا علينا عدوا، فأعطوهم الموثق، فأخرجوهم من المدينة حتى أتوا مسلم، وقصوا عليه من أحوال المدينة ما يستعين به على قتال المدنيين. ثم بعث لأهل المدينة يطلب إليهم الخضوع والاستسلام، ويحدد لهم موعدا لثلاثة أيام، فلما انقضت الأيام الثلاثة، وكان ذلك لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة 63ه صاح مسلم قائلا: يا أهل المدينة، قد مضت الأيام الثلاثة فما تصنعون؟ أتسالمون أم تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب.
فقال لهم: لا تحاربوا بل ادخلوا في الطاعة، فردوا عليه بشدة، فطلب إلى جماعته أن يحملوا عليهم، فتقاتل الطرفان قتالا شديدا، ودارت رحى القتال على أهل المدينة، فقتل آمرهم عبد الله بن حنظلة الغسيل ثم تفرقوا، وفتحت المدينة فدخلها مسلم، وفتك بأهلها، وأخذ بيعتهم على أنهم خول ليزيد، ومن لم يقبل ضربت عنقه، ثم أباح المدينة ثلاثا كما قال له يزيد، فأسرف هو وجنده في القتل والسلب والنهب، حتى لقب بالمسرف.
10
والحق أن هذه النكبة التي حلت بمدينة الرسول
صلى الله عليه وسلم
لم تكن أقل بكثير من النكبة الحسينية، فقد هلك فيها جمهرة كبيرة من سيوف الإسلام وناشري لوائه، وعدد كبير من أصحاب رسول الله المهاجرين والأنصار، ولو كان الشيخ مسلم بن عقبة على شيء من الحنكة ورجاحة العقل، لأدرك أن قولة يزيد في إباحة المدينة قولة صدرت عن شاب تحمس لبني قرابته، وللشيوخ من الغلطات والسفاهات ما لا يصدر عن أكثر الشبان حماقة وضلالة، وإلا فأي رجل يبيح المدينة الطيبة التي آوت النبي ونصرته، وأعزت دينه ونصرت جنده في ساعة العسرة، وما أشبه عمل مسلم بن عقبة بعمل ذلك المجرم الصهيوني في دير ياسين، حينما أباح القرية وأهلها للسفاحين السفاكين، ففسقوا بالبنات وبقروا بطون الحوامل، ولم يبقوا في القرية طفلا ولا شيخا ولا مريضا، ولا احترموا مسجدا أو جامعا، ولا بيعة ولا كنيسة، خذلهم الله، وشتت جمعهم، وأذل عزتهم.