قال ابن عباس: فلا تسر بنسائك وصبيتك؛ فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون. ثم قال ابن عباس: والله إنك أقررت عين ابن الزبير، بتخليتك إياه والحجاز والخروج منها.
5
وبينا كان الحسين يهيئ نفسه للخروج، إذ قدم الفرزدق حاجا فرآه الحسين، وسأله عن العراق وأهله، فقال له: القلوب معك والسيوف مع بني أمية والقضاء بيد الله.
6
ولكن الحسين لم يلتفت إلى ذلك كله، بل سار بأهله وولده ورهط من شيعته لم يتجاوزوا الثمانين رجلا، فلما دنا الكوفة وعلم بمقتل مسلم بن عقيل، وخذلان أهلها له قابله الحر بن يزيد التميمي، وقال له: «ارجع فإني لم أدع لك خلفي خيرا أرجوه.» فداخل الحسين الشك وعزم على الرجوع، ولكن إخوة مسلم بن عقيل أبوا أن يرجعوا وصمموا على الأخذ بثأر أخيهم، فنزل الحسين عند رأيهم وسار حتى لقيته خيل عبيد الله بن زياد، فعدل إلى كربلاء وخيم هناك، وكان أصحابه خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل، وبعث إليه عبيد الله بن زياد عمر بن سعد بن أبي وقاص، فلما أتاه قال له الحسين: آخذ واحدة من ثلاث: إما أن تدعوني فأنصرف من حيث أتيت، وإما أن تدعوني فأذهب إلى يزيد، وإما أن تدعوني فألحق بالثغور. فقبل عمر ذلك، وأبى عبيد الله إلا القتال، ونشبت المعركة بين الطرفين في الطف من أرض كربلاء في العاشر من المحرم سنة 61ه، فقتل أصحاب الحسين جميعا، وفيهم بضعة عشر شابا من أهل بيته، ثم هجم عليه المذحج فقتله، وحز رأسه سنان بن أنس النخعي.
7
وانطلق به إلى عبيد الله وهو يقول:
أوقر ركابي فضة وذهبا
فقد قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس أما وأبا
وخيرهم إذ ينسبون نسبا
وقد ظهر من الإمام الحسين في ذلك الموقف حزم وجرأة وصبر واحتساب، وورع يدل على إيمان ويقين، جديرين بنجل علي وسبط النبي، صلوات الله عليهم. قال ابن طباطبا: قتل الحسين قتلة شنيعة، ولقد ظهر منه عليه السلام من الصبر والاحتساب والشجاعة والورع والخبرة التامة بآداب الحرب والبلاغة، ومن أهله وأصحابه - رضي الله عنهم - من النصر له، والمواساة بالنفس، وكراهية الحياة بعده، والمقاتلة بين يديه عن بصيرة ما لم يشاهد مثله، ووقع النهب والسبي في عسكره وذراريه عليهم السلام، ثم حمل النساء ورأسه صلوات الله عليه إلى يزيد بن معاوية بدمشق، فرد نساءه إلى المدينة.
8
وكان عمره يوم قتل خمسا وخمسين سنة، وكان ممن قتلوا مع الحسين أخوه العباس، وجعفر بن علي بن أبي طالب، وعثمان بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن علي بن أبي طالب، وأبو بكر بن علي بن أبي طالب، وعلي الأكبر بن الحسين بن علي، وعبد الله بن الحسين بن علي، وأبو بكر بن الحسن بن علي، والقاسم بن الحسن بن علي، وعون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن عبد الله بن جعفر، وجعفر بن عقيل بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب، وعبد الله بن عقيل بن أبي طالب، ومسلم بن عقيل بن أبي طالب، وعبد الله بن مسلم بن عقيل، ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل، واستصغر ابنه علي بن الحسين بن علي، والحسن بن الحسن بن علي، وعمرو بن الحسن بن علي.
9
وكان لمقتل هؤلاء ونكبتهم صدى مؤلم لدى العالم الإسلامي كافة والشيعي خاصة، ولا غرو فإن فداحة النكبة والأسلوب الفظ الذي اتبع في قتل هؤلاء الأبرار الأطهار، كان ذا أثر عميق، وجرحا بالغا لم يندمل. (4) نكبة الحرة
تألم المدنيون جدا مما حل بسبط النبي وريحانته، وأعلنوا سخطهم على يزيد وواليه في المدينة، ثم ازدادت حماستهم، فخلعوه وطردوا عامله عثمان بن محمد بن أبي سفيان، وطاردوا من كان بها من الأمويين ورجالهم، وحاصروهم في دار مروان بن الحكم، وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري، وكتب مروان بن الحكم كتابا إلى يزيد، بعث به مع عبد الملك بن مروان هذه صورته «أما بعد، فإنا قد حصرنا في دار مروان بن الحكم، ومنعنا العذب ، ورمينا بالحبوب فيا غوثاه! يا غوثاه.» فلما قرأ الكتاب قال: