تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا بد لنا قبل ختام البحث عن نكبة الحرة من أن نتعرض لآراء بعض المستشرقين المهتمين بالتاريخ الإسلامي، والذين بحثوا هذه القصة.

يصور دوزي في كتابه «تاريخ إسبانيا»، وأكوست مولر في كتابه «الإسلام في المشرق والمغرب» هذه القصة بأنها إنما قامت بسبب ثورة الأفكار الجاهلية على الأفكار الإسلامية، وأن أهل الشام كانوا يريدون أن يثأروا من أهل المدينة الذين قتلوا آباءهم يوم بدر، وغيرها من المواقع التي فتك فيها المسلمون بالمشركين، أو هي ثورة الأرستقراطية الجاهلية المشركة على الديمقراطية الإسلامية المؤمنة! إلخ ما هنالك من أقوال وأحكام يصدرها المستشرقون تبعا لأهوائهم، وقلوبهم المريضة المشبعة بكره الإسلام الممتلئة بالحقد والحسد. على أن المستشرق «فلهوزن» يتجرد لتهديم آراء المستشرقين السابقين، ويخطئ أقوالهما ويقول: إن يزيد وأهل الشام إنما قاموا بحركتهم هذه ذودا عن كيان الحكومة الجديدة، وإن المسألة ليست مسألة أحقاد وإحن جاهلية، وإنما هي مسألة مصالح دولية، وإن القضية تدور حول الحكم، ولا علاقة لها بالتشفي والثأر؛ ولا أدل على ذلك من أن يزيد كان يريد السلم ويسعى إليه، وأن قائده مسلم بن عقبة فعل ما فعل وهو مؤمن أنه قام بعمل يرضي الله ورسوله. والحق أن هذه الفتنة إنما كانت ذيادا عن الحكومة الجديدة، وأن يزيد خاف أن تتطور الأمور وتفسد أركان دولته، فلجأ هذا الملجأ. وموقعة الحرة إنما جرت بين طرفين كل واحد يحاول السيطرة على حكم الدولة الإسلامية. (5) نكبة الكعبة

وهذه ثالثة الأثافي، فإن يزيد طلب إلى قائده مسلم بن عقبة بعد أن فعل الأفاعيل بوقعة الحرة، أن يولي المدينة روح بن زنباع الجذامي، ويتوجه إلى مكة والقضاء على حركة عبد الله بن الزبير الذي ثار فيها، وأعلن خلافته على المسلمين، ودعا إلى خلع يزيد، وقد مات مسلم وهو في طريقه إلى مكة، فتولى الجيش الحصين بن نمير، فسار إلى مكة بعد انتهاء موسم سنة 63 ودخلت سنة 64، وجيش يزيد محدق بمكة بقيادة حصين بن نمير السكوني فاشتبك الجمعان، واستمر القتال من آخر المحرم ومدة صفر، وفي أوائل ربيع الأول ضاق الحصين ذرعا بأهل مكة، فأخذ يقذف البيت العتيق بالمجانيق والشاميون يرتجزون بقولهم:

خطارة مثل الفنيق المزبد

نرمي بها أعواد هذا المسجد

11

وبينما هم كذلك إذ جاء نعي يزيد، فتخاذل الحصين بن نمير، ورفع الحصار عن الكعبة، وأخذ أمر ابن الزبير ينمو، وأبقى الكعبة على احتراقها ليراها الناس فيثوروا على بني أمية.

12 (6) الفتوح في عهد يزيد

في سنة 61 استعمل يزيد سلم بن زياد على خراسان، فسار غازيا، وكان في جيشه نفر من وجوه الناس وأبطال المسلمين مثل عمران بن الفضيل البرجمي، والمهلب بن أبي صفرة، وعبد الله بن حازم السلمي، وطلحة بن عبيد الله الخزاعي وغيرهم، وسار إلى خراسان، وعبر النهر غازيا، وكان عمال خراسان قبله يغزون، فإذا دخل الشتاء رجعوا إلى مرو الشاهجان، فإذا انصرف المسلمون اجتمع ملوك خراسان بمدينة بما يلي خوارزم، فيتعاقدون أن لا يغزو بعضهم بعضا، ويتشاورون في أمورهم، فكان المسلمون يطالبون أمراءهم غزو تلك المدينة فيأبون عليهم، فلما قدم سلم غزا فشتا في بعض مغازيه، فألح عليه المهلب وسأله التوجه إلى تلك المدينة، فوجهه في ستة آلاف، وقيل أربعة آلاف فحاصرهم وطلبوا الصلح، فبلغت قيمة ما أخذه منهم خمسون ألف ألف، فحظي بها المهلب عند سلم، وغزا سلم سمرقند، وعبرت معه امرأته أم محمد ابنة عبد الله بن عثمان بن أبي العاص الثقيفية، وهي أول امرأة عربية قطعت النهر، فولدت له ابنا سماه صفدي.

وفي تلك السنة ولى يزيد يزيد بن زياد أخا سلم على سجستان، فغزاهم فغلبوه وشتتوا جيشه وأسروا عددا منهم، فأنجدهم سلم بن زياد بجيش عليه طلحة الطلحات بن عبد الله الخزاعي، فاسترد الأسرى، وسار طلحة من كابل إلى سجستان ومات هناك.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ١٦