تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما ابن الزبير فإنه قال للرسول: اذهب فسآتيكم. ثم دخل داره، حتى إذا كان الليل خرج فأخذ طريق الفرع، هو وأخوه جعفر، وقصد مكة فدخلها قبل الحسين بيوم، فلما دخلها قال: أنا عائذ بالبيت، ولم يكن يصلي مع الناس ولا يفيض بإفاضتهم، وكذلك فعل الحسين. وأما ابن عمر فإنه قال لهم: إذا بايع الناس بايعت. فتركوه وكانوا لا يتخوفونه.

2 (3) نكبة الحسين

لما اجتمع ابن الزبير والحسين في مكة، وأخذا يثيران الناس على يزيد ضاق يزيد بهما، ولكن مكانتهما وموضعهما كانا يحولان دون الفتك بهما، ويظهر أن ابن الزبير قد رأى في الحسين منافسا قويا، فعزم على السكوت مؤقتا إلى أن يحين وقته.

3

وأخذ الحسين يكاتب شيعته في الكوفة ويكاتبونه؛ ومن ذلك ما كتبوا به إليه يقولون: «أما بعد، فالحمد لله الذي قصم ظهر عدوك الجبار العتيد، الذي اعتدى على هذه الأمة فانتزعها حقوقها واغتصبها أمورها، وغلبها على فيئها، وتأمر عليها على غير رضى منها، ثم قتل خيارها، واستبقى شرارها، فبعدا له كما بعدت ثمود، إذ ليس علينا إمام، فاقدم علينا لعل الله يجمعنا بك على الهدى، فإن النعمان بن بشير في قصر الإمارة، ولسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا مخرجك أخرجناه من الكوفة وألحقناه بالشام.»

4

ومما كتب إليهم قوله: «من حسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين، أما بعد، فإن هانئا وسعيدا قدما علي بكتبكم، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم، وقد فهمت كل الذي قصصتم وذكرتم ومقالة جلكم: إنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق. وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي، وثقتي من أهل بيتي وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إلي أنه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت علي به رسلكم وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله؛ فلعمري، ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله، والسلام.» ثم تتابعت رسل الكوفيين إلى الحسين، يدعونه إلى القدوم عليهم، فوجه إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وقال له: اذهب إليهم فانظر ما كتبوا به، فإن كان حقا خرجنا إليهم. فلما أتاهم بايعه منهم اثنا عشر ألفا، وكتب مسلم بذلك إلى الحسين وطلب إليه الحضور، وبلغت هذه الأخبار يزيد، فاستضعف أميره على الكوفة النعمان بن بشير وعزله، وولاها عبيد الله بن زياد بالإضافة إلى البصرة، فقدمها فورا ومسلم بن عقيل فيها، فلما نزل القصر دعا مولى له فأعطاه ثلاثة آلاف، وقال له: اذهب حتى تسأل عن الرجل الذي يبايع الكوفيون للحسين عنده، فأعلمه أنك رجل من أهل حمص جئت لهذا الأمر، وهذا مال تدفعه إليه ليتقوى به، فذهب المولى ولم يزل يتلطف حتى دل على شيخ من الكوفيين يلي البيعة، اسمه هانئ بن عمر فأخبر خبره، فقال له هانئ: لقد سرني لقاؤك إياي وساءني؛ فأما ما سرني فما هداك الله له، وأما ما ساءني فإن أمرنا لم يستحكم بعد. ثم بايعه ورجع إلى عبيد الله وأخبره بالخبر، ثم إن عبيد الله علم أن مسلم بن عقيل هو في بيت هانئ بن عمر، فاستدعاه وسأله عن مسلم فأنكره، فنادى عبد الله مولاه فخرج إليه فصعق هانئ، وعلم مسلم بما جرى، فجمع جمعا من الكوفيين يقرب من أربعة آلاف، وسار بهم للقاء عبيد الله، فأخذوا يتسللون في الطريق حتى إذا بلغوا الإمارة، لم يكن عددهم أكثر من خمسمائة، فلما جاء الظلام وجد مسلم أنه أمسى وحده فالتجأ إلى دار في المدينة، ولما علم عبيد الله بملجئه بعث إليه فقبض عليه، ثم أمر به أن يصعد إلى أعلى قصر الإمارة، فضربت عنقه وألقيت جثته إلى الناس، ثم أمر بهانئ فسحب إلى الكناسة فصلب هناك.

أما الحسين فإنه أخذ يهيئ نفسه للمسير إلى العراق، ولكن جماعة من القرشيين حاولوا أن يثنوا عزمه مثل عمر بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي وعبد الله بن عباس، أما ابن الزبير فكان يحرضه على المسير، ليخلو له الجو؛ فقد روى الطبري عن أبي مخنف، قال: إن حسينا لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس، فقال: يا ابن عم، إنك قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع؟ قال: إني أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله، فقال ابن عباس: فإني أعيذك بالله من ذلك. أخبرني - رحمك الله - أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم، فإن كانوا قد فعلوا ذلك فسر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر، وعماله تجبي بلادهم، فإنهم إنما دعوك إلى الحرب والقتال، ولا آمن أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك، وأن يستنفروا إليك فيكونوا أشد عليك، فقال له الحسين: إني أستخير الله وأنظر ما يكون. قال: فخرج ابن عباس وأتاه ابن الزبير، فحدثه ساعة ثم قال: ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم وكفنا عنهم، وعن أبناء المهاجرين وولاة الأمر دونهم؟! خبرني ما تريد أن تصنع؟ فقال الحسين: والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إلي شيعتي بها وأشراف أهلها، وأستخير الله. فقال ابن الزبير: أما والله لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت بها. ثم إن ابن عباس أتاه ثانية، فقال له: يا ابن عم، إني أتصبر ولا أصبر. إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال. إن أهل العراق قوم غدر فلا تقربنهم، أقم بهذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك - كما زعموا - فاكتب إليهم، فلينفوا عدوهم ثم اقدم عليهم، فإن أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن، فإن بها حصونا وشعابا، وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عزلة، فتكتب إلى الناس وترسل وتبعث دعاتك، فإني أرجو أن يأتيك الذي تحب في عافية، فقال الحسين: يا ابن عم، والله أعلم أنك ناصح مشفق، ولكني قد أزمعت وأجمعت على المسير.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ١٣