8
وكان الرسول يداعبها ويسامرها ويسابقها ويكبر فيها العقل وحسن الفهم والإدراك وسعة الرواية وحسن التلقي وإفراط التعبد والحياء، ولما اتهمت بحادثة الإفك وأنزل الله براءتها في القرآن الكريم فرح النبي بذلك، ولما مرض الرسول مرضة الموت اختار بيتها ليمرض فيه ومات عندها. ولم يؤخذ عليها شيء سوى انغماسها في غمرة السياسة وخروجها إلى البصرة لمحاربة علي، وقد كانت تذكر ذلك وهي نادمة مستغفرة، وظلت في بيتها إلى أن ماتت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة مضت من رمضان (سنة 58ه) ولها من العمر ست وستون، وصلى عليها أبو هريرة، ودفنت بالبقيع رضوان الله عليها.
حفصة بنت عمر بن الخطاب
وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب الجمحي، أخت عثمان بن مظعون. ولدت قبل النبوة بخمس سنين، وتزوجها قبل النبي خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أوائل من هاجروا إلى المدينة وأبلوا في الغزوات وهلك يوم بدر، وتأيمت حفصة فعرض أبوها زواجها على عثمان، فقالت: ما أريد أن أتزوج يومي هذا. فعرضها على أبي بكر، فلم يرجع إليه بشيء. ولبث ليالي، فخطبها رسول الله فأنكحه إياها، وقال أبو بكر لأبيها: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا. فقال عمر: نعم. قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك إلا أني سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يذكرها، ولم أكن لأفشي سر رسول الله، ولو تركها لنكحتها. وكان نكاح رسول الله إياها على رأس ثلاثين شهرا من الهجرة، وهي شقيقة عبد الله بن عمر وأسن منه، وقد طلقها النبي تطليقة واحدة ثم راجعها، وظلت حفصة حتى ماتت في شعبان سنة 45ه في خلافة معاوية وهي ابنة ستين سنة.
9
السيدة زينب بنت خزيمة بن الحارث الهلالية
وأمها هنيد بنت عوف بن زهير بن الحارث، وكانت سيدة نبيلة كريمة، وكان اسمها في الجاهلية «أم المساكين»؛ لإحسانها إليهم وعطفها عليهم. تزوجها أول الأمر عبيدة بن الحارث، وقتل يوم بدر، فتزوجها رسول الله بعد ذلك وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشا، وذلك على رأس واحد وثلاثين شهرا من الهجرة قبل وقعة أحد بيوم واحد، ولم تلبث عنده
صلى الله عليه وسلم
إلا شهرين، وقيل: بل ثلاثة. وقيل: بل ثمانية. ثم توفيت في ربيع الآخر من سنة أربع للهجرة، فصلى عليها ودفنها بالبقيع.
10
السيدة أم سلمة هند بنت أبي أمية حذيفة الجواد الملقب بزاد الراكب
وأمها السيدة عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن عبد المطلب، تزوجها أول الأمر أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد القرشي، فولدت له سلمة، وعمر، ورقية، وزينب. ولما ظهر الإسلام اعتنقته وزوجها وهاجرا إلى الحبشة، ثم رجعا ومات أبو سلمة سنة أربع للهجرة، ولما مات خطبها أبو بكر فرفضت، وخطبها عمر فأبت، ثم خطبها النبي فقالت: مرحبا برسول الله. وكانت من أجمل النساء، وكان زواج النبي بها في ليال بقين من شوال من السنة الرابعة للهجرة.
وكانت أم سلمة سيدة نبيلة جليلة، عاقلة فاضلة، وكان النبي يجلها، ويقبل مشورتها، وقد ظلت إلى خلافة يزيد بن معاوية وماتت في سنة ستين، وقيل: سنة تسع وخمسين. وصلى عليها أبو هريرة، ودفنت بالبقيع ولها أربع وثمانون سنة.
11
السيدة زينب بنت جحش بن رباب
وأمها السيدة أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم عمة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، زوجها النبي أول الأمر من غلامه زيد بن حارثة الذي تبناه، ثم طلقها فتزوجها الرسول، وفيها نزلت الآية:
فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ... ولما تزوج بها النبي في السنة الخامسة تكلم المنافقون في ذلك، وقالوا: حرم محمد نساء الولد وتزوج امرأة ولده. فأنزل الله الآية:
ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ،
ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ، فدعي يومئذ «زيد بن حارثة»، وكان يدعى «زيد بن محمد». وبسبب زينب نزلت آية الحجاب:
يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي . وكان النبي