وكانت السيدة سودة سيدة كريمة تحب الصدقة والإحسان إلى الفقراء والمساكين، وكانت تحب عائشة كما أن عائشة كانت تحبها، وكانت تهب يومها لعائشة تلتمس بذلك رضاء برسول الله؛ فقد روي عن عائشة أنها قالت: لما كبرت سودة جعلت يومها من رسول الله لي، وقالت: يا رسول الله، جعلت يومي منك لعائشة. فكان رسول الله يقسم لعائشة يومين؛ يومها ويوم سودة. وكانت عائشة تقول: ما رأيت امرأة أحب إلى أن أكون في سلاحها - جلدها - من سودة بنت زمعة.
4
وكانت سودة من حزب عائشة، فقد كان نساء النبي حزبين: حزب عائشة؛ وفيه حفصة وصفية وسودة، وحزب أم سلمة؛ وفيه سائر أزواج النبي
صلى الله عليه وسلم . وقد تزوجها النبي
صلى الله عليه وسلم
قبل أن يعقد على خديجة، وقيل غير ذلك.
5
وتوفيت السيدة سودة في أواخر عهد عمر، وقيل: بل ظلت إلى سنة 54ه.
السيدة عائشة
أما ثالث امرأة دخل بها رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فهي عائشة بنت أبي بكر بن أبي قحافة الصديق، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس من بني مالك بن كنانة. وقد رأينا كيف خطبتها السيدة خولة بنت حكيم لرسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وكان عقد النبي عليها بعد وفاة السيدة خديجة في السنة العاشرة للبعثة النبوية، وكان لها ست سنوات، ولم يدخل بها إلا في السنة الثانية من الهجرة ولها تسع سنوات، وهي البكر الوحيد التي تزوجها النبي
صلى الله عليه وسلم ، ومنحها قلبه وحبه، فأدبها بأدب الإسلام ومنحها عناية، فتفقهت في الدين ووعت علم سيد المرسلين حتى صارت مرجع المسلمين. قال أبو موسى الأشعري: ما أشكل علينا، أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم
حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما. وقال الحافظ عبد الغني المقدسي: روي لها عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
ألف وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على 174 حديثا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وستين.
6
وكان عبد الله بن الزبير ابن أختها أسماء - الذي تكنت به - وعروة بن الزبير أكثر الذين نقلوا عنها العلم والدين. قال عروة: ما رأيت أحدا أعلم بالقرآن ولا بفرائضه ولا بحلال ولا بحرام ولا بشعر ولا بحديث العرب ولا بنسب، من عائشة. وكان يقول: ما رأيت أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة. وقيل له: ما أرواك يا عبد الله! وكان أروى الناس للشعر، فقال: وما روايتي من رواية عائشة، ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرا.
7
وكان الرسول
صلى الله عليه وسلم
يحبها كثيرا ويفضلها عن نسائه، وكانت نساؤه يغرن منها، ويعملن على إغاظتها؛ فقد روت عائشة عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أن أزواج النبي أرسلن فاطمة بنت رسول الله إليه تكلمه في أمر، فاستأذنت عليه وهو مضطجع مع عائشة وهي في مرط، فأذن لها، فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة. قالت عائشة: فسمعت ذلك وأنا ساكتة. فقال رسول الله: «أي بنية، ألست تحبين ما أحب؟» قالت: بلى. قال: «فأحبي هذه.» فقامت فاطمة حين سمعت ذلك فخرجت إلى أزواج النبي فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها، فقلن: ما نراك أغنيت عنا من شيء، فارجعي إلى رسول الله فقولي له: إن نساءك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة. فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها. فأرسلن زينب بنت جحش وهي التي كانت تسامي عائشة عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فاستأذنت على رسول الله فأذن لها، فقالت له: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة. قالت عائشة: إن فاطمة قالت ذلك ووقعت في واستطالت وأنا أراقب رسول الله وأراقب طرفه، هل أذن لي فيهما، فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله لا يكره أن أنتصر لها، فلما وقعت بها لم أنشب حتى أثخنتها، فقال رسول الله: «إنها ابنة أبي بكر.»