198
ويذكر ابن أبي أصيبعة في ترجمة الحارث بن كلدة الثقفي الطبيب الحكيم الذي اختلف في إسلامه وصحبته: أن له آثارا مدونة؛ منها «كتاب المحاورة في الطب» بينه وبين كسرى أنو شروان،
199
ومما يذكر عنه أنه ألف ودون عروة بن الزبير، فقد ذكر عنه ابن سعد في ترجمة الطبقات أن هشام بن عروة بن الزبير قال: أحرق أبي يوم الحرة (سنة 63ه) كتب فقه كانت له، وكان يقول بعد ذلك: لأن تكون عندي أحب إلي من أن يكون لي مثل أهلي ومالي.
200 (8-2) علماء الصحابة
كان الخلفاء الأربعة أئمة مشارا إليهم بالعلم والدين والعربية، وكان أبو هريرة وابن عباس أحفظ الصحابة لحديث رسول الله، وكان عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وعائشة أعلم الناس بالفتوى، ويمكن أن نجمع من فنون كل واحد مجلدا كبيرا، ويليهم في ذلك أبو بكر وعثمان وأبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وسعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وأنس وعبد الله بن عمرو بن العاص وسلمان وجابر وأبو سعيد وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وعمران بن الحصين وأبو بكرة وعبادة بن الصامت وابن الزبير وأم سلمة، ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم جزء صغير. وفي الصحابة نحو مائة وعشرين نفسا مقلون في الفتيا جدا، لا تروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والثلاث، كأبي بن كعب وأبي الدرداء والمقداد.
201
| الباب السادس
في تنظيم أحوال النبي وشئونه الخاصة به صلى الله عليه وسلم
الفصل الأول
| في أحوال النبي الخاصة
رأينا في الأبواب السابقة أن النبي الكريم قد عني بشئون الأمة عناية كبيرة، ولم يترك شاردة ولا واردة تتعلق بأحوالها ومرافقها الخاصة والعامة إلا درسها ومحصها وفحصها فحص المدقق الخبير، وعالجها معالجة الحكيم الحذق، وجاء بما تحتاج إليه المصلحة وتلائمه ظروف الوقت. ونريد في هذا الباب أن نبين أنه - عليه الصلاة والسلام - اهتم بشئونه الخاصة كرئيس أعلى لهذه المجموعة التي أراد بنيان مجدها وشرع في تأسيس قواعد عزها، وانتشالها من العمه والضلالة إلى العزة والكرامة.
ونحن إذا أردنا أن ندقق في أحوال النبي الخاصة بشخصه وجدناها بسيطة أبسط ما تكون، ساذجة كل السذاجة، ووجدناها متواضعة لله العلي القدير، عزيزة بالمؤمنين المصطفين، قوية على الطغاة الجبارين. وقد كان النبي العظيم لا يفتر عن ذكر الله والانصراف بكليته إليه سبحانه، والعزوف عن الدنيا ومظاهرها وزخرفتها وباطلها ولهوها، ولكنه
صلى الله عليه وسلم
لم ينس نصيبه من الدنيا؛ لأنه بشر، ولأنه ما جاء بدين صوفي رهباني، ولكنه جاء بدين فيه ملاك الدين والدنيا، وفيه صلاح المعاش والمعاد.
كان
صلى الله عليه وسلم
إنسانا كاملا يضع كل شيء موضعه، وكان على كثرة ما أفاء الله عليه لا يجد ما يطعم أهله من التمر والشعير، وكان يخصف نعله بيديه، ويرقع ثوبه، ويخدم أهله، ويقطع اللحم معهم، ويعصب الحجر على بطنه من الجوع، ويلبس ما يجد من شملة أو جبة، وتواترت هذه الأخبار عنه. ولكن على الرغم من هذا كان يتظاهر بكل ما فيه عز الإسلام، ويعمل على إعلاء شوكة الإيمان. ولم يترك
صلى الله عليه وسلم
ظاهرة يظهر بها الدين، ولا شعيرة يرتفع بها شمل المسلمين إلا جاء بها، وحض عليها وفعلها بنفسه.
فمن المظاهر الدنيوية التي كان يهتم بها
صلى الله عليه وسلم : أنه إذا جاءه وفد لإعلان إسلام من وراءه أو إبلاغ بعض الأمور الخارجية، يتجمل لذلك الوفد. فقد أخرج أبو نعيم وابن سعد في طبقاته: عن جندب بن مكية أن النبي
صلى الله عليه وسلم
كان إذا قدم عليه وفد لبس أحسن ثيابه، وأمر أصحابه بذلك، وقد رأيته وفد عليه وفد كندة وعليه حلة يمانية. وقال علقمة بن سفيان الثقفي: إنهم لما وفدوا عليه
صلى الله عليه وسلم
ضرب لهم قبة، وكان بلال يأتيهم بفطرهم.