تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

191

وكان

صلى الله عليه وسلم

يعنى بأذكياء صحابته، وخصوصا الشبان الأحداث ذوي القابليات والمواهب، فيثقفهم ويحرضهم على اكتساب العلم، وكان يطرح عليهم الأسئلة ليختبر ما عندهم من العلم، وربما ألغز لهم الألغاز ليرى استعدادهم وفطانيتهم؛ فقد عقد البخاري في صحيحه بابا عنونه بقوله: «باب طرح الإمام الأسئلة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم»، ثم روى عن عبد الله بن عمر عن النبي أنه قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، حدثوني ما هي؟» فوقع الناس في شجر البوادي - أي إنهم أخذوا يسردون أسماء الشجر فلا يصيبون. قال ابن عمر: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت. ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله. قال: «هي النخلة.»

192

وكان ابن عمر أصغر الحاضرين، وكان عاشر عشرة منهم أبو بكر وعمر وأبو هريرة وأنس، وكان عمر يقول لابنه: إن تكن قلتها أحب إلي من حمر النعم. وكان يحض أصحابه على نقل العلم إلى من وراءهم ويقول: «رب مبلغ أوعى من سامع.»

193

وكان يتخولهم بالعلم والموعظة كي لا ينفروا كراهة السآمة.

194

ويقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.»

195

وكان يقول: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها.»

196

وكان

صلى الله عليه وسلم

يقول: «حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي.» (8-1) التدوين

أمر الرسول الكريم بتدوين القرآن، وقد رأيت تفصيل ذلك في بحثنا عن الكتابة في الباب السابق. أما كتابة الحديث النبوي، فقد ابتدأت منذ زمن مبكر أيضا، ولكن بعضهم كان يكره ذلك خوف اختلاطه بالقرآن. ولكن بعضهم كان يكتب ما يسمعه من الرسول لحرصه على حفظ كلامه؛ فقد روى الترمذي عن أبي هريرة قال: كان رجل يجلس إلى الرسول فيسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى الرسول فقال: «استعن بيمينك.» وأومأ بيده إلى الخط، وقال ابن عمر: قلت يا رسول الله إني أسمع منك أحاديث، أفتأذن لي أن أكتبها؟ قال: «نعم.» فكان أول كتاب كتبته بيدي كتاب النبي

صلى الله عليه وسلم

إلى أهل مكة. قال ابن سعد: وكان ابن عمر يسمي صحيفته تلك «الصادقة»، وكذلك فعل عبد الله بن عمر، فقد روي عن أبي هريرة قال: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله مني إلا ما كان من عبد الله بن عمر. وقال: كان يكتب بيده ويعيه بقلبه، وكنت أعيه بقلبي ولا أكتب بيدي، واستأذن رسول الله في الكتابة فأذن له. ويظهر أن أبا هريرة قد أخذته الغيرة فكتب أيضا؛ فقد روى الحسن بن عمرو بن أمية قال: تحدث عند أبي هريرة بحديث! فأخذ بيدي إلى بيته فأراني كتبا من حديث رسول الله - عليه الصلاة والسلام - فقال: هذا هو مكتوب عندي. قال ابن عبد البر: ويمكن الجمع بين خبر عدم كتابة أبي هريرة وكتابته بأنه لم يكتب في العهد النبوي، ثم كتب بعده، وأقوى من ذلك أنه لا يلزم من وجود الحديث مكتوبا بخطه، وقد ثبت أنه لم يكن يكتب فتيقن أن المكتوب عنده بخط غيره. وقال السيوطي في كتابه «تدريب الرواة»: وأباح كتابة الحديث طائفة وفعلوها؛ منهم عمر وعلي وابنه الحسن وابن عمر وأنس وجابر وابن عباس وعمرو.

197

وقال أستاذ أساتذتنا الإمام الشيخ طاهر الجزائري في كتابه «توجيه النظر إلى أصول الأثر»: توهم أناس أنه لم يقيد في عصر الصحابة وأوائل عصر التابعين بالكتابة شيء غير الكتاب العزيز، وليس الأمر كذلك، فقد ذكر بعض الحفاظ أن زيد بن ثابت ألف كتابا في الفرائض، وذكر البخاري في صحيحه أن عبد الله بن عمر كان يكتب الحديث، وذكر مسلم في صحيحه كتابا ألف في عهد ابن عباس في قضاء علي فقال: حدثنا داود بن عمرو الضبي، حدثنا نافع عن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفي عني. فقال: ولد ناصح، أنا أختار له الأمور اختيارا وأخفي عنه. فقال: فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء، ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى علي بهذا إلا أن يكون ضل.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٧٦