تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

184

وقال السيد الكتاني معلقا على كلامه: هذه الوظيفة كان يليها المصطفى بنفسه؛ لأنه كان ينتقد أحكام قضاته وعماله ويناقشهم.

185

والحق أن الرسول

صلى الله عليه وسلم

كان يرعى هذه الأمة بقلبه وعينيه ويديه، ويحرص على حفظ حقوق أرباب الحقوق، ويضرب على يد الظالمين بالقصاص والعقوبات الشديدة والسجن والتعذيب والنفي والتعزير.

186

التوثيق

لم يعرف أن القضاة في عهد النبي كانوا يدونون المحاضر والسجلات، ولم أر أحدا أشار إلى ذلك، بل قال الإمام الرافعي في شرح الوجيز في الفقه الشافعي: كان النبي

صلى الله عليه وسلم

ومن بعده من الأئمة يحكمون ولا يكتبون المحاضر والسجلات،

187

وهذا يدل على ما قلناه. وإنما عرف أن النبي وقضاته كانوا يوثقون بعض قضاياهم من عتق وطلاق وبيوع بوثائق يكتبونها ويعطونها لصاحب العلاقة، وقد حفظ لنا التاريخ نص أقدم وثيقة شرعية أوردها السيد الكتاني وافتخر بإيرادها، واعتز بأن المغاربة هم الذين حفظوها وتوارثوها، ولم يفطن إليها أحد من المشارقة، فقد نقل في كتابه عن العمدة لأبي عبد الله التلمساني نص كتاب عتق «أسلم» مولى رسول الله، وذكر أنه وحده بخط الحكم المنتصر بالله أمير المؤمنين ابن عبد الرحمن الناصر المرواني، وهذا نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب من محمد رسول الله لفتاه أسلم. إني أعتقك لله عتقا مبتولا إليه، أعتقك وله المنة علي وعليك، فأنت حر لا سبيل لأحد عليك إلا سبيل الإسلام وعصمة الإيمان، شهد بذلك أبو بكر وشهد عثمان وشهد علي وكتب معاوية بن أبي سفيان» ... فهذا عقد في عتق نبوي بنصه من الذخائر المكتوبة والكنوز الثمينة، فتلقه شاكرا وللمغاربة ذاكرا؛ حيث إن كلا من الحكم المنتصر وصاحب العمدة وفرائد الدرر مغاربة، وكأنه لم يقف عليه أحد من أعلام المشرق، فلذلك لا تراه في مدوناتهم الأثرية.

188

وممن كان يكتب الوثائق في العهد النبوي المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير، كانا يكتبان المدينات والمعاملات، والعلاء بن عقبة وزيد بن أرقم، وكانا يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم، وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء.

189

وكان زيد بن ثابت يقسم الفرائض ويكتبها لهم، وقد أثنى عليه الرسول

صلى الله عليه وسلم

بقوله: «أفرضكم زيد.» وكان عثمان بارعا في الفرائض أيضا. وفي المسند للدارمي: قال ابن شهاب الزهري: لو هلك عثمان وزيد في بعض الزمان لهلك علم الفرائض، لقد أتى على الناس زمان وما يعلمه غيرهما. وكانت عائشة تحسن الفرائض، قال مسروق: والله الذي لا إله غيره، لقد رأيت الأكابر من أصحاب محمد يسألونها عن الفرائض.

190 (8) الشئون الثقافية

لم يعرف عن نبي اهتم بالعلم وتشجيع أهله اهتمام الرسول الكريم محمد

صلى الله عليه وسلم ؛ وذلك لما رآه من تقهقر الحالة الثقافية التي كان عليها قومه، على الرغم مما حباهم الله من ذكاء فطري ولغة غنية وملكات فطرية رائعة وخيال خصب وأدب رفيع من شعر ونثر وحكمة ومثل. ولكنهم على الرغم من ذلك كله كانوا أقل ممن كانوا حولهم من الأمم عناية بالعلم واحتفالا بالدرس، حتى أطلقوا عليهم لقب «الأميين»، وسماهم بالأميين، ولكن غلبة الجهل وسيطرة البداوة على الحضارة جعلهم ينبذون بهذا اللقب ويعرفون بين الناس بالأمية. رأى محمد قابليات قومه العرب من ذكاء وفهم ونباهة وحب استطلاع وحرص على طلب معالي الأمور، فدفعهم إلى طلب العلم دفعا، وقذف في قلوبهم حب العلم وأهله، وطلب الفضل وتقدير رجاله، وتلقف الحكمة من أي مصدر أتت، وكان

صلى الله عليه وسلم

يحلق حلقات العلم في مسجده ويدعو أصحابه إلى طلبه، وكان يفضل طالبي العلم على العباد والزهاد ويقول: «إنما بعثت معلما.» وقال عبد الله بن عمر: إن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

مر برجلين في مسجده فقال: «كلاهما خير، وأحدهما أفضل من صاحبه. أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم ويعلمون الجاهل فهم أفضل، وإنما بعثت معلما.» وجلس معهم. وهناك أحاديث عديدة وردت عن النبي في الحض على طلب العلم وحفظه والنهي عن الأمية والجهل، وقد نبغ في عهد النبي جماعة من جلة الصحابة بالعلم، وشهد النبي لهم بذلك؛ فقد روى حذيفة عنه أنه قال: «اقتدوا بالذين من بعدي - وأشار إلى أبي بكر - واهتدوا بهدي عمر، وإذا حدثكم ابن أم معبد فصدقوا.» وقال: «استقرئوا القرآن من أبي وابن مسعود.» وقال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم بأمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، وأقضاهم علي، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وأبو ذر أزهد أمتي وأصدقها، وأبو الدرداء أعبد أمتي وأتقاها، ومعاوية أحكم أمتي.»

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٧٥