تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان الرسول الكريم يتولى أقضية الناس فيحكم فيها بما أنزل الله، وقد كانت حياته

صلى الله عليه وسلم

كلها حياة قضاء بين الناس وهداية إلى وجه الخير والصلاح والعدل، قال الحافظ الشامي: جماع أبواب سيرته

صلى الله عليه وسلم

في أحكامه وأقضيته. وليس الغرض من ذلك ذكر التشريع العام، وإن كانت قضيته الخاصة شرعا عاما، وإنما الغرض ذكر سيرته

صلى الله عليه وسلم

في الأحكام الجزئية التي فصل فيها بين الخصوم، وكيف كانت سيرته

صلى الله عليه وسلم

في الحكم بين الناس.

181

وقد ألف جماعة من العلماء في أقضية رسول الله، أجمعها ما ذكره الحافظ الشامي في «السيرة الشامية»؛ ومنها «أقضية رسول الله

صلى الله عليه وسلم » لمحمد بن فرج المشهور بابن الطلاع (497)، و«كتاب أقضية رسول الله

صلى الله عليه وسلم » لأبي بكر بن أبي شيبة، و«كتاب أقضية الرسول» لعلي بن عبد العزيز المرغيناني الحنفي (506)، و«الفتاوى النبوية في المسائل الدينية والدنيوية» لأبي علي الحسين بن المبارك الموصلي (742)، وفي آخر «إعلام الموقعين» لابن القيم فصل مطول جمع فيه مصنفه أحكام الرسول وفتاويه، وقد جردها منه وعلق عليها السيد صديق حسن خان ملك بهوبال وسماه «بلوغ السول في أقضية الرسول». وقد كان في عهد النبي

صلى الله عليه وسلم

جماعة يقضون بين الناس؛ منهم أبو بكر وعمر وعلي ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري ومعقل بن يسار. وقد بعث النبي

صلى الله عليه وسلم

عليا إلى اليمن ليقضي بين أهلها، وأوصاه ألا يقضي بين الخصمين حتى يسمع منهما، وأمره أن يعلمهم الشرائع. كما بعث معاذا إلى الجند يعلم الناس القرآن وشرائعه ويقضي بينهم، وجعله على الصدقات، وبعث معاذا قاضيا إلى اليمن وأميرا وجابيا للصدقات، كذلك أبا موسى قاضيا على اليمن ومصدقا، وكان يقضي ويفتي على عهد رسول الله وفي أيام الخلفاء الراشدين.

وفي صبح الأعشى: أن القضاء وظيفة قديمة كانت في زمن النبي

صلى الله عليه وسلم ، فقد ذكر القضاعي أنه

صلى الله عليه وسلم

ولى القضاء باليمن علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري، وأن أبا بكر ولى القضاء عمر. وفي أوائل السيوطي : أول قاض في الإسلام عمر بن الخطاب، قضى لأبي بكر؛ كذا قال العسكري، قلت: لكن أخرج الطبراني بسند حسن عن السائب بن يزيد قال: إن النبي

صلى الله عليه وسلم

وأبا بكر لم يتخذا قاضيا، وأول من استقضى عمر، قال: يرد عني الناس في الدرهم والدرهمين. وأخرج أبو يعلى في مسنده بسند صحيح عن ابن عمر قال: ما اتخذ رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قاضيا ولا أبو بكر ولا عمر حتى كان في آخر زمانه. قال للسائب بن يزيد ابن أخت نمر: اكفني بعض الأمور - يعني صغارها. وأخرج ابن سعد عن الزهري قال: ما اتخذ رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قاضيا ولا أبو بكر ولا عمر حتى قال للسائب ابن أخت نمر: لو روحت عني بعض الأمر حتى كان عثمان.

182

والحق أن ما ذهب إليه السيوطي غير صحيح، فإن النبي

صلى الله عليه وسلم

أذن لبعض كبار صحابته بالقضاء في زمنه. ويظهر أن السيوطي ومن نقل عنهم ذهبوا إلى أن عمر هو أول من استحدث وظيفة القاضي وسمى لها إنسانا بعينه وجعل لها جعلا. أما أيام الرسول وأيام أبي بكر، فقد كانوا أمراء وفقهاء يقضون بين الناس بحكم عملهم، وفي وفيات الأسلاف: أول من نصب القاضي رسول الله

صلى الله عليه وسلم ؛ حيث بعث عليا ومعاذا إلى اليمن، وأول من دفعه إلى غيره من الخلفاء عمر ولى أبا الدرداء بالمدينة، وأبا موسى الأشعري بالكوفة، وشريحا بالبصرة؛ تخفيفا لنفسه من القيام بأعباء الخلافة والسياسة.

183

المظالم

النظر في المظالم هو نوع من أنواع القضاء، إلا أنه أجل وأوسع؛ فإن صاحب المظالم يكون ذا سلطة يقمع بها من لم يستمع إلى قضائه، قال المرجاني صاحب وفيات الأسلاف: النظر في المظالم وظيفة أوسع من وظيفة القاضي، ممتزجة مع السطوة السلطانية وتصفية القضاة بعلو بين وعظيم رغبة، تقمع الظالم من الخصمين، وتزجر المعتدي، وتمضي ما عجز القضاة ومن دونهم عن إمضائه، ويكون نظره في البينات والتقرير واعتماد القرائن والأمارات، وتأخير الحكم إلى استجلاء الحق، وحمل الخصم على الصلح، واستحلاف الشهود. وكان الخلفاء يباشرونها بأنفسهم إلى المهتدي بالله، وربما سلموها إلى قضاتهم.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٧٤