178
ومن الصناعات التي كانت تباح للنساء: التجارة. وممن عرفن بها خديجة، وقيلة الأنمارية، «والقبالة»، و«الخفاضة» وهي ختانة النساء، و«الرضاعة»، و«الغزل»، و«الغناء». ومن جواري الأنصار المغنيات حمامة وأرنب.
179 (7) الشئون القضائية
عني العرب منذ جاهليتهم بشئون القضاء والعدل بين الناس، واختاروا له حكماء وهم عقلاؤهم، فحكموهم بينهم لا يخالفونهم فيما يقضون. وقد أثر عن عرب الجاهلية كثير من أحكام القضاء العادلة الصالحة، ولو جمعت لكانت مجموعة طيبة تعطينا صورة صادقة عن عدلهم وحسن قضائهم وبراعتهم في الفصل بين المتخاصمين. ولما جاء الرسول الكريم استبقى ما وجده طيبا من ذلك، واستبعد القبيح المستهجن، وحرض القضاة على الحكم بين الناس بالإنصاف، وأوجب عليهم أن يحكموا بين الناس بالعدل إذا حكموهم. وقد أثرت عنه
صلى الله عليه وسلم
أحاديث جليلة وقصص متواترة تدل على شدة استمساكه بحبل العدالة والحفاظ عليها وتهديد قضاة السوء والظلم والجور، فمن ذلك ما روي عن بريدة أنه
صلى الله عليه وسلم
قال: «القضاة ثلاثة؛ اثنان في النار وواحد منهم في الجنة: رجل عرف الحق فقضى به فهو بالجنة، ورجل عرف الحق ولم يقض به وجار في الحكم فهو بالنار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار.» رواه الأربعة وصححه الحاكم. وقال أبو هريرة: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين.» رواه الأربعة وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وقال علي: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقضي للأول حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضي.» قال علي: فما زلت قاضيا بعد. رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وقالت أم سلمة: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «إنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار.» حديث متفق عليه.
180
وللنبي أقوال في أحكام الشهادات والدعاوى والبيانات تدل على براعته في حسن التوجيه، وعمله على تحري الحق والحكم بالعدل. (7-1) أما في الشهادات
فقد نهى عن قبول شهادة المطعون في دينهم وخلقهم، ومن يتهمون بالخيانة، وأوجب في الشهادة أن يكون صاحبها أمينا عادلا صادقا شريفا غير حقود ولا مزور، ولا بأس بمستور الحال، وخير الشهود هو الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها؛ ففي الحديث عن زيد بن خالد الجهني أن النبي
صلى الله عليه وسلم
قال: «ألا أخبركم بخير الشهداء؟ هو الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها.» رواه مسلم. وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن.» حديث متفق عليه. وقال: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت (أي خادمهم).» رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي هريرة: أنه
صلى الله عليه وسلم
قضى بيمين وشاهد. رواه الترمذي وأبو داود. وعن أبي بكرة: أنه
صلى الله عليه وسلم
عد شهادة الزور في أكبر الكبائر. حديث متفق عليه. وعن ابن عباس: أنه
صلى الله عليه وسلم
قال لرجل: «ترى الشمس؟» قال: نعم. قال: «على مثلها فاشهد أو دع.» حديث أخرجه عدي بإسناد ضعيف. (7-2) وأما في البينات
فإنه أمر
صلى الله عليه وسلم
بأن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وحذر من اليمين الكاذبة. وحكم بأن البينتين إذا تعادلتا حكم لحائز الشيء، وإذا انعدمت البينة نصف الشيء بين الخصمين، وفي ذلك يقول
صلى الله عليه وسلم : «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه.» حديث متفق عليه، ورواه البيهقي هكذا: «ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر.» وقال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة.» فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: «وإن قضيبا من أراك.» رواه مسلم. وعن أبي موسى: أن رجلين اختصما في دابة، وليس لواحد منهما بينة، فقضى بها رسول الله بينهما نصفين. رواه أبو داود وأحمد والنسائي. وعن جابر أن رجلين اختصما في ناقة، فقال كل واحد منهما: نتجت عندي. وأقاما بينة، فقضى بها رسول الله لمن هي بيده. رواه الدارقطني. وعن ابن عمر: أن النبي رد اليمين على طالب الحق. رواه الدارقطني أيضا. (7-3) القضاء