تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

174

وأما تجارة السلاح، فقد كانت تجارة رابحة، وكانت سيوف الشام والهند تنقل إلى الجزيرة، ويتغالى التجار في أثمانها، كما كانت في الخط والرماح الخطية تصدر إلى الخارج. وكانت في الحجاز جماعة من الحدادين والقيون المشهورين بصنع الأسلحة من سيوف وأسنة ورماح ودروع؛ ومن أشهرهم أبو يوسف القين الذي أرضعت زوجته إبراهيم ابن النبي

صلى الله عليه وسلم

والخباب بن الأرت، والأزرق بن عقبة الثقفي مولى الحارث بن كلدة. وكانت هذه الصناعة مشهورة بين يهود الحجاز أيضا، ويروى أن النبي لما فتح خيبر صادر ثلاثين قينا منهم، وقال اتركوهم بين المسلمين ينتفعون بصناعاتهم ويتقوون بها على جهاد عدوهم. فتركوهم وتعلموا منهم الحدادة.

وممن كان يتجر في الرماح نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وقد أسر يوم بدر، فقال له النبي: «أفد نفسك برماحك التي بجدة.» فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ففدى نفسه بها وكانت ألفي رمح. وفي طبقات ابن سعد: أن نوفلا أعان النبي يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، فقال له رسول الله

صلى الله عليه وسلم : «كأني أنظر إلى رماحك يا أبا الحارث تقصف في أصلاب المشركين.»

175 (6-2) الزراعة

على الرغم من قلة عناية العرب بصورة عامة، الرحل بصورة خاصة، بالزراعة لطبيعتهم البدوية، وكرههم للبقاء في مكان واحد وحبهم للانتقال من مكان إلى آخر. والزراعة تقضي بالاستيطان وعدم الرحلة، فإن الإسلام دعا إليها وحرض عليها ودعا إلى التحضر وكره التبدي؛ لما في ذلك من البعد عن حياة الفوضى، والدعوة إلى حياة منتظمة ثابتة. وقد كان للزراعة أهمية كبرى في نظر الإسلام، ففي صحيح البخاري: أن النبي دخل على أم فشر الأنصارية في نخل لها، فقال: «لا يغرس المسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو دابة أو طير أو سبع إلا كانت له صدقة.» وفي مسند عمر بن عبد العزيز قال ابن شهاب: أرسل إلي عمر بن عبد العزيز وهو خليفة، فقال: جاء سعد بن خالد بن عمرو بن عثمان فقال: يا أمير المؤمنين، أقطعني الشديد فإنه بلغني عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قال: ما من رجل غرس غرسا إلا أعطاه الله من الأجر عدد الغرس والثمر.

176

وكان بعضهم يتولى زراعة أرضه بيده، فقد روي عن علي أنه كان يتولى أرضا له بنفسه، كما كان بعضهم يعطيها بالربع أو الثلث، ومنهم سعد وابن مسعود وجبر بن عتيك.

177 (6-3) وأما الصناعة

فقد عنوا ببعض الصناعات التي يحتاجون إليها، والتي تساعد عليها طبيعة بلادهم، وتدفع إمكانية أرضهم إليها، وقد رأينا أنهم أتقنوا الحدادة لحاجتهم إليها في صنع أوائل الحرب والحرث، وهناك صناعات أخرى. ومن الصناعات التي عرفوا بها: التجارة والدباغة والصياغة والبناء والصباغة والحياكة والنسيج والخياطة وما إلى ذلك، وفي كتب السيرة والحديث والأدب أخبار كثيرة عن الصناعات العربية وعن أربابها، فمن ذلك ما ذكره صاحب الإصابة في ترجمة الضحاك بن عرفجة (وفي رواية طرفة بن عرفجة أو عرفجة بن سعيد): أنه أصيب أنفه يوم الكلاب، فأمره النبي

صلى الله عليه وسلم

أن يتخذ أنفا من ذهب. ويروى أن جماعة من الصحابة قد فسدت أسنانهم فشدوها بالذهب. وروى الكاشاني في بدائع الصنائع (1: 117) عن ابن عباس أنه نهى مصورا عن التصوير فقال: كيف أصنع وهو كسبي؟ فقال: إن لم يكن بد فعليك بتمثال الأشجار. وذكر فيه أن الصورة إذا كانت صغيرة لا تبدو من بعيد فلا بأس بها؛ لأن من يعبد الأصنام لا يعبد الصغير منها.

ويروى عن النبي أنه كان يحتقر بعض الصناعات، فقد روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: سمعت رسول الله يقول: «وهبت خالتي فاختة بنت عمرو غلاما وأمرتها ألا تجعله جازرا ولا صائغا ولا حجاما.» أما الحجام والقصاب فللنجاسة التي يباشرانها مع تعذر الاحتراز، وأما الصائغ فلما يدخل في الصياغة من الغش أو لكثرة الوعد والكذب في كلامه.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٧٢