166
وهو ممن كانوا يتاجرون بالبزازة والخزازة، وهي بيع الخز المنسوج من الصوف والإبريسم، ومنهم أيضا الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وعامر بن كريز.
167
وقد كان للبزازين سوق خاصة في زمن النبي، فقد روى أبو هريرة قال: دخلت السوق مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فجلس إلى البزازين، فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وكان لأهل السوق وزان يزن لهم الأثمان، فقال له
صلى الله عليه وسلم : «زن وأرجح.» فقال الوازن: إن هذه كلمة ما سمعتها من أحد.
168
وكما كان العرب يستوردون الثياب والأقمشة القطنية والصوفية والحريرية من الخارج، فكذلك كانوا يحيكونها وينسجون بعضها في ديارهم، فقد روى البخاري عن سهل بن سعد: أن امرأة جاءت ببردة منسوجة قال: أتدرون ما البردة؟ كساء مخطط، وقيل كساء مربع أسود، فقيل: نعم، هي الشملة منسوج في حاشيتها. فقالت: يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي فجئت أكسوكها. فأخذها. وفي كتاب الإحياء في باب الفقر والزهد من ربع المنجيات: عن سنان بن سعد قال: حكت للنبي
صلى الله عليه وسلم
جبة صوف وجعلت حاشيتها سوداء، فلما لبسها قال: «انظروا، ما أحسنها وما أبهجها!» فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله، هبها لي. قال: فكان إذا سئل شيئا فلم يبخل به، فدفعها وأمر أن تحاك له جبة أخرى، فمات وهي في المحاكة.
169
وروي عن سهل بن سعد أيضا أنه
صلى الله عليه وسلم
قال: «عمل الأبرار من الرجال الخياطة، وعمل النساء المغزل.»
170
وقال: «علموا أبناءكم السباحة والرماية، ونعم لهو المؤمنة في بيتها المغزل.»
وأما تجارة المأكولات، فقد كانت تجارة عامة رابحة، وكانوا يجلبون الحبوب والفاكهة والزيت من الشام واليمن، ويأخذون إليها الأغنام والخيول والطيور والعطور والأصواف والجلود. فقد روى البخاري في «كتاب البيوع» قال جابر: بينما نحن نصلي مع النبي
صلى الله عليه وسلم
إذ أقبلت من الشام عير تحمل طعاما، فالتفتوا حتى ما بقي مع النبي
صلى الله عليه وسلم
إلا اثنا عشر رجلا، فنزلت الآية:
وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما .
171
وفيه أيضا: أنهم كانوا يجلبون دقيق الحواري - الأبيض - والسمن والعسل من الشام إلى المدينة، وأن عثمان كان يتاجر بذلك. ولم تكن تجارة العرب مقصورة على التجارات البرية، فقد كانوا يركبون في البحر الأحمر، والبحر الأبيض. يذكر البخاري في باب البيوع بابا عن التجارة في البحر وأنه لا بأس بها ،
172
وأن ممن كانوا يتجرون ببحر الشام طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد.
173
وأما تجارة العطارية فهي تجارة عريقة في الحجاز واليمن، وكانت ترد إلى اليمن شحنات من العطور والطيوب الهندية عبر البحر الأحمر إلى اليمن، كما كان في اليمن نفسه كثير من العطور، وكانوا يحملونها معهم إلى الحجاز وبلاد الشام وبلاد الروم. وصناعة العطارية صناعة محبوبة، حتى روى ابن عمر عن النبي أنه قال: لو أذن الله لأهل الجنة في التجارة لاتجروا في البز والعطر. وكان عمر يحب تجار الطيب. وروى الثعالبي في التمثيل والمحاضرة عن عمر أنه قال: لو كنت تاجرا لما أخذت على العطر شيئا، فإن فاتني ربحه لم يفتني ريحه. وكانوا يضربون المثل بنظافة العطار وتقاوة مجلسه. وقد بوب البخاري في كتاب البيوع بابا عنوانه: «باب العطار وبيع المسك»، وخرج فيه عن أبي موسى الأشعري عن النبي
صلى الله عليه وسلم
أن مجلس الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد، وما يعديك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق ثوبك، وتجد منه ريحا خبيثة. وكانت العطور المفضلة عندهم: الزعتر والعنبر والمسك والعود والكافور، وكانوا يتاجرون بها ويتطيبون بها ويصنعون منها صناعات حسنة، ويجعلون منها معجنات. قال الجاحظ: ومعجونات العطر كلها عربية، مثل الغالية والشاهرية والخلوق واللخلخة والقطر، وهو العود المطري والدربرة. وممن كان يتاجر ببيع الطيوب أسماء بنت مخربة؛ فقد ترجم لها ابن حجر وذكر أن ابنها عباس بن عبد الله بن ربيعة كان يبعث إليها من اليمن بعطر فكانت تبيعه في المدينة، وذكر منهن الحولاء بنت تويب العطار، ومليكة والدة السائب بن الأقرع.