صلى الله عليه وسلم
يقول: التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا. (6-1) التجارة
التجارة في الأصل هي بيع الخمر والتاجر هو الخمار،
157
ثم أطلقوها على كل عمل يستدعى به الربح وكسب المال الحلال بالبيع والشراء والعمل في الأسواق، قال الراغب الأصفهاني: التجارة التصرف في رأس المال طلبا للربح.
158
وقد كانت للعرب قبل الإسلام رحلات تجارية مشهورة، كما كان لهم أسواق اقتصادية أمرها معروف. وللنبي أحاديث كثيرة في الحض على الاتجار، وفي تبيين مزايا التجارة وشرائطها، وما يجب على صاحبها من الأخلاق والأعمال. وقد جمعت كتب السنة طرفا من ذلك في أبواب «الكسب» و«العمل» و«البيوع»، كما ألف فيها جماعات منهم الجاحظ في رسالته: «مدح التجار وذم عمل السلطان»، ومنهم الباعلوي حسين بن محمد حسين الحبشي (782) في كتابه القيم: «البركة في فضل السعي والحركة»، ومنهم أبو الفضل جعفر بن علي الدمشقي صاحب «الإشارة إلى محاسن التجارة»، ومنهم الشهاب محمد بن حسن بن الصائغ الدمشقي صاحب «الألفية الميمية في التجارة والصنائع والفنون»، ومنهم محمد بن أبي الخير الأرميوني صاحب «النجوم الشارقات في بعض الصنائع المحتاج إليها في بعض الأوقات»، ومنهم الخزاعي في كتابه الجامع المفيد الذي نشره السيد عبد الحي الكتاني، وزاد عليه زيادات جليلة ونشره في القسم الثاني من «التراتيب الإدارية»، وهو أجمع ما ألف في هذا الموضوع.
التجارة في العصر النبوي
يظهر أن التجارة كانت تطلق في العصر الجاهلي وصدر الإسلام على من يسافر، أو يضرب في الأرض لجلب البضائع وبيعها، أو على من يبيع في الأسواق بيعا جليلا. أما إذا كان بيعا حقيرا فإنه ما كان تاجرا؛ فقد روى قيس بن أبي غرزة قال: كنا نسمى في عهد الرسول
صلى الله عليه وسلم
السماسرة، فمر بنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فسمانا باسم هو أحسن منه فقال: «... يا معشر التجار، إن البيع يحضره الحلف واللغو فشوبوه بالصدقة.» فكان أول من سمانا تجارا.
159
وهذا يدلنا على أن صغار الباعة كانوا يسمون سماسرة، وأن الرسول سماهم تلطفا وتحببا تجارا. قال ابن الأثير: السماسرة جمع سمسار، وهو القيم بالأمر الحافظ له، وهو في البيع الذي يدخل بين البايع والمشتري متوسطا لإمضاء البيع، والسمسرة البيع والشراء.
160
وأهم أنواع التجارة في ذلك العصر هي تجارة الملبوسات والمأكولات والعطارية والسلاح وما إلى ذلك، أما تجارة الملبوسات: فكانت تعرف بالبزازة، وقد كانوا يجلبون أصناف البز من بلاد الشام والروم واليمن وعمان وصحار، ويجعلون منه قلانسهم وعمائهم وقمصانهم وسراويلهم وأرديتهم وجببهم ومآزرهم وأكسية نسائهم وأمتعة بيوتهم، فقد روي أن النبي
صلى الله عليه وسلم
ترك يوم مات ثوبي حبرة، وإزارا عمانيا، وثوبين صحاريين، وقميصا صحاريا، وقميصا سحوليا، وجبة يمنية، وقميصا وكساء أبيض، وقلانس صغارا لاطية ثلاثا أو أربعا، وإزارا طوله خمسة أشبار، وملحفة مورسة.
161
ويذكرون أيضا أنه كان يلبس القلانس تحت العمائم وبغير عمائم، وأن هذه القلانس كانت يمانية بيضاء مضرية، كما كان بعضها شاميا أبيض، وكانت له جبة شامية من صوف ضيقة الكمين.
162
ومن مشهوري البزازين في العصر النبوي عثمان بن عفان؛ فقد ذكر ابن قتيبة في المعارف في فضل صنائع الأشراف أن عثمان كان بزازا، وقد أثرى من وراء هذه التجارة ثراء عظيما، حتى إنه استطاع أن يقدم لجيش العسرة تسعمائة وخمسين بعيرا.
163
ومنهم طلحة بن عبيد الله، فقد كان من كبار التجار البزازين كما قال ابن قتيبة وابن الجوزي،
164
وذكر ابن الزبير أنه سمع سفيان بن عتيبة يقول: كانت غلة طلحة بن عبيد الله ألف واقية كل يوم، والواقي وزنه وزن الدينار.
165
ومنهم عبد الرحمن بن عوف