تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

155

فكان غاية جواب جرجي زيدان عن ذلك بأنه أخذ تلك الرسوم عن مؤلف فرنسي وأحال على صفحة 26 من «تاريخ مصر» لمارسا. وفي «المواهب الفتحية» لحمزة فتح الله المصري (1: 152)، نقلا عن شرح العتبي على البخاري، أنه نقل عن المرغيناني: أن الدراهم كانت شبه النواة، ودوت في عهد عمر لما بعث معقل بن يسار وحفر نهره الذي قيل فيه: «إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.» ضرب حينئذ عمر الدراهم على نقش الكسروية وشكلها بأعيانها، غير أنه زاد في بعضها: «الحمد لله»، وفي بعضها: «محمد رسول الله»، وفي بعضها: «لا إله إلا الله وحده» على وجه وعلى وجهه الآخر «عمر». فلما بويع عثمان ضرب دراهم نقشها: «الله أكبر»، فلما اجتمع الأمر لمعاوية ضرب دنانير عليها تمثاله متقلدا سيفا، فلما قام عبد الله بن الزبير بمكة ضرب دراهم مدورة ثم غيرها الحجاج. ولما استقر أمر عبد الملك بعد ابن الزبير ضرب الدنانير والدراهم في سنة 76 للهجرة، وفي رسالة النقود الإسلامية للمؤرخ الشهير التقي المقريزي: أن معاوية ضرب دنانير عليها تمثال متقلد سيفا، وذكر أن عبد الملك بن مروان لما أمر الحجاج بضرب سكة، ضربها وقدمت مدينة الرسول وبها بقايا الصحابة، فلم ينكروا منها شيئا سوى نقشها؛ فإن فيه صورة، وكان سعيد بن المسيب يبيع ويشتري بها ولا يعيب من أمرها شيئا.

وفي وفيات الأسلاف (صفحة 361): وأقدم سكة في الإسلام فيما وجد، ما ضرب في خلافة عثمان سنة ثمان وعشرين من الهجرة بقصبة هرتك من بلاد طبرستان، وكتب فيها بالخط الكوفي: «بسم الله». وفي خلافة علي سنة 37ه ضرب درهم عليه «ولي الله»، وفي سنة 38، 39 ضرب عليه «بسم الله ربي»، وضرب على درهم بالكوفي في جانب منه: «الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد»، وفي دورته: «محمد رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون»، وفي الجانب الآخر: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، وفي دورته: «ضرب هذا الدرهم بالبصرة سنة أربعين». وعثر على درهم فيه: «ضرب بدربيجرد في سنة سبعين»، وعلى درهم في مدينة يزد ضرب سنة 71 وعليه بالخط الكوفي: «بسم الله»، وفي الطرف الآخر بالخط البهلوي: «عبد الله بن الزبير أمير المؤمنين»، وقيل: إن أول من ضرب النقود مصعب بن الزبير سنة سبعين بأمر أخيه عبد الله. (6) الشئون الاقتصادية والصناعية

عني النبي الكريم بالشئون الصناعية والاقتصادية والمعاشية بصورة عامة؛ فقد روى ابن القيم في «الهدي النبوي» أن النبي

صلى الله عليه وسلم

باع واشترى، وشراؤه كان أكثر، وآجر واستأجر، وإيجاره كان أكثر، وضارب وشارك ووكل وتوكل، وتوكيله كان أكثر، وأهدى وأهدي إليه، ووهب واستوهب، واستدان واستعار، وضمن عاما وخاصا، ووقف ... فلم يغضب، ولا عتب، وحلف واستحلف.

156

وكان يتاجر في الجاهلية، وخروجه مع عمه بتجارة وتجارته لخديجة بالشام أمر متواتر. وقد حض الناس على الاكتساب وطلب الرزق للعيال، وكان أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم تجارا، ولما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مئونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال - أي المال الذي يأتي إلى بيت مال المسلمين - ففرض له أبو عبيدة الذي كان يتولى أمور بيت المال ما يكفيه وعياله، وكذلك كان عمر يخرج للعمل في الأسواق والاكتساب لعياله، فلما استخلف فرض لنفسه ما يكفيه من بيت مال المسلمين. وقد استمر هذا التقليد فيما بعد، وصار الخلفاء والقضاة والعمال يتركون تجاراتهم وصناعاتهم حين يتولى الواحد منهم أمرا من الأمور العامة.

وموارد بيت المال في ذلك العصر هي ما يدخله من ضرائب التجارة والزراعة والصناعة والامتهان، قال الماوردي: أصول المكاسب التجارة والزراعة والصناعة، والأشبه في مذهب الشافعي أن أطيبها التجارة، والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة؛ لأنها أقرب إلى التوكل، والأكثر على أن أطيبها التجارة؛ لأن النبي اتجر ولم يزرع، وكان

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٦٩