تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما هو جدير بالذكر أن القرآن نزل في هذه الفترة بتهديد نفر من وجوه قريش؛ منهم أبو لهب وزوجه، وأمية بن خلف الجمحي، والعاص بن وائل السهمي، والنضر بن الحارث، وعبد الله بن الزبعرى، والأخنس بن شريق، والوليد بن المغيرة. وفي هذه الفترة رجع مهاجرو الحبشة إلى مكة، فقد بلغتهم قوة الإسلام ودخول أكثر أهل مكة فيه، فلما وصلوا مكة علموا أن الأمر على العكس، فلم يستطيعوا أن يدخلوها إلا مستخفين أو داخلين في جوار بعض زعمائها. ثم إن بعض زعماء قريش - وعلى رأسهم هاشم بن عمر بن ربيعة، وزمعة بن الأسود، والبختري بن هشام، والمطعم بن عدي، وزهير بن أبي أمية - رأوا أن ما فعلوه مع إخوانهم وأبناء عمومتهم بني هاشم وعبد المطلب هو عمل شائن لا يليق، فعزموا على نقض الصحيفة، ثم إن هؤلاء الخمسة من زعماء قريش ذهبوا إلى الكعبة فطافوا بالبيت سبعا، ثم قام زهير بن أبي أمية فقال: يا أهل مكة، نأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم! والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. فقال أبو جهل: كذبت، والله لا تشق. فقال زمعة بن الأسود: أنت والله الأكذب، ما رضينا كتابها. فقام أبو البختري فقال مثل قولهما، فقام الباقون فقالوا مثل ذلك، وأبو طالب جالس في ناحية المسجد، فقام المطعم فمزق الصحيفة وصرف الله ذلك البلاء عن بني هاشم وبني عبد المطلب.

ثم أخذت وفود كثيرة من القبائل تقدم على مكة، فيعرض النبي عليها الإسلام، فكان بعضها يدخل فيه وبعضها يعرض عنه، وكان ممن قدم على النبي في تلك الفترة وفد أهل الحبشة، وهم عشرون رجلا، فجلسوا إلى النبي وسألوه عن بعض المسائل، فقرأ عليهم بعض القرآن، فأسلموا ورجعوا إلى بلادهم مبشرين بالإسلام داعين إليه ذاكرين فضائل محمد وحسن طريقته.

1 (1) وفاة أبي طالب وخديجة، وخروج النبي إلى الطائف

استمر الرسول في دعوته لا يحجزه عن العمل لنشر الإسلام حاجز، فكان يعرض نفسه على القبائل، ويلقاهم في المواسم فيعرض عليهم ما أوحى إليه ربه، وينفرهم من عبادة الأوثان، فكان منهم من يجيب، ومنهم من يكفر، وقريش لا تفتر تخاصمه وتصد عن سبيل الله، وهو صامد مجاهد، إلى أن حلت السنة العاشرة للبعثة، وقد انتشر الإسلام في أكثر القبائل، والرسول قرير العين مشروح الصدر، إلى أن فوجئ بوفاة عمه أبي طالب ثم بوفاة خديجة، فحزن لفقدهما أشد الحزن، وتتابعت عليه المصائب؛ فقد كان أبو طالب خير عون وعضد، وكانت خديجة خير ناصر وركن يلجأ إليه ويسكن عنده، فلما هلك أبو طالب نالت قريش منه بعد أن فاوضوه في المهادنة، وأن يتركهم وعبادتهم وآلهتهم فأبى، فأخذت تهينه وتؤذيه، فاضطر إلى أن يخرج إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف.

فلما وصلها قصد أبناء عمرو بن عمير، وهم وجوه الطائف، فدعاهم إلى الإسلام، فأبوا وأغروا به سفهاءهم يسبونه، فلجأ إلى بستان لعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة بن ربيعة، وجلس تحت ظل كرمة وأبناء ربيعة ينظران إليه ويسمعان قوله وهو يخاطب ربه قائلا: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب العالمين، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.» فلما سمعا ذلك ورأيا سوء حاله تحركت رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا اسمه عداس فقالا له: خذ قطفا من العنب فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه. ففعل عداس ثم أقبل بين يدي رسول الله فقدم إليه الطبق، فقال: «باسم الله.» ثم أكل، فقال عداس: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فقال له رسول الله: «ومن أهل أي بلاد أنت؟» فقال: أنا نصراني من أهل نينوى. فقال رسول الله: «من قرية الرجل الصالح يونس بن متى.» فقال عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله: «ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبي.» فأكب عداس على الرسول يقبل رأسه ويديه وقدميه. ثم إن رسول الله لما رأى سوء وضع أهل الطائف رجع إلى مكة ودأب على الدعوة إلى الله، وعرض نفسه على القبائل كلما قدمت إلى الحج. (2) إسلام الأوس والخزرج

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٧