تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9 (2) إسلام عمر بن الخطاب

كان عمر أشد الفتيان في قريش على الإسلام وأهله، وكان رجلا ذا شكيمة، وكان يكره محمدا ودعوته الجديدة، ويناوئ أصحابه، ولكنه لما رأى خروج المسلمين من ديارهم إلى الحبشة تأثر بذلك؛ فقد روى ابن إسحق عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله بنت حثمة، قالت: والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر في بعض حاجتنا، إذ أقبل عمر حتى وقف علي وهو على شركه، وكنا نلقى منه البلاء، فقال: إنه الانطلاق يا أم عبد الله. فقلت: نعم، والله لنخرجن في أرض الله؛ آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله مخرجا. فقال: صحبكم الله. ورأيت له رقة لم أكن أراها، وقد أحزنه فيما أرى خروجنا.

10

ثم إن عمر خرج يوما وقد آلمه ما جاء به محمد، ففرق جمع قريش وشتت أبناءها، وعلم أنه وصحابته في دار عند الصفا، فذهب إليه متوشحا سيفه ليؤذيه على ما فعل بقريش، فلقيه في الطريق نعيم بن عبد الله، فقال له: إلى أين يا ابن الخطاب؟ فقال: أريد محمدا هذا الصبائي الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها فأقتله. فقال نعيم: أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم. قال: فأي أهل بيتي صبأ؟ قال: ختنك وابن عمك وأختك، فقد والله أسلما. فرجع عمر إلى بيت أخته وزوجها وعندها خباب بن الأرت ومعه صحيفة يقرأ فيها القرآن، ولما وصل سمع هيمنة فقال: ما هذه الهيمنة؟ فقالا له: لا شيء. فقال: بلى والله لقد سمعت أنكما تابعتما محمدا. وبطش بختنه فأدماه، فقالت أخته: أسلمنا فاصنع ما بدا لك. ولما رأى الدم بختنه وأخته ندم على ما فعل، وقال: أعطني الصحيفة التي سمعتكم تقرءون فيها. فقالت أخته: يا أخي، إنك نجس على شركك ولا يمسها إلا الطاهر. فاغتسل وأعطته الصحيفة وفيها سورة طه، فقرأها وقال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع خباب كلامه خرج وقال له: والله إني سمعت رسول الله يقول أمس: اللهم أيدني وأيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب؛ فالله الله يا عمر. فقال له: دلني على موضعه أذهب إليه. فدله فأتى رسول الله وهو وأصحابه في البيت عند الصفا، ثم طرق الباب، فرآه القوم متوشحا سيفه، ففتح له الباب ولقيه رسول الله، فأخذ بحجرته وجبذه جبذة شديدة وقال له: «ما بك يا ابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة.» فقال عمر: جئتك لأومن بالله ورسوله. فكبر رسول الله وكبر القوم مبتهجين بذلك. ثم تفرق أصحاب رسول الله من مكانهم وقد عز ما في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله

صلى الله عليه وسلم

ينتصفون بهما من عدوهم،

11

وكان إسلام عمر في السنة الخامسة للبعثة.

الفصل الثاني

| القسم الثاني من العهد المكي

لما أسلم حمزة وعمر تنفس المسلمون الصعداء، فقويت نفوسهم واطمأنوا على إخوانهم في الحبشة وأن النجاشي لن يسلمهم، فأخذوا يعلنون شعائرهم، وقريش تتميز من الحنق، فأجمعت رؤساؤهم وائتمرت في أمر النبي وأصحابه، فاتفق رأي أهل العقد والحل منهم على مقاطعة بني هاشم وبني عبد المطلب، وعلى ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا كتبوا ذلك في صحيفة، ثم علقوا تلك الصحيفة في الكعبة توكيدا منهم على أنفسهم. وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر، ويقال النضر بن الحارث، فلما فعلت قريش ذلك انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى شعب أبي طالب، سوى أبي لهب فإنه انفصل عنهم، وأقاموا على ذلك سنتين، أو ثلاثا، حتى جهدوا، وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرا، وقد كان أبو جهل من أشد من ضيق عليهم الخناق، حتى إنه لقي مرة حكيم بن حزام بن خويلد ومعه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد، فقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا ترجع أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة. فجاء أبو البختري بن هشام فقال: ما لك وله؟ فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم! فقال أبو البختري: طعام كان لعمته عنده بعثت إليه تطلبه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟! خل سبيل الرجل. فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البختري لحي بعير فضربه فشجه ووطئه وطئا شديدا، وحمزة قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك الرسول فيشمتوا بهم، ورسول الله يدعو قومه ليلا ونهارا، سرا وجهرا، وقريش مستمرة في عنادها، والقرآن الكريم ينزل في هجاء قريش، ويهاجم معتقداتها الفاسدة، ويدعو إلى الإسلام وتوحيد الله.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٦