في سنة 11 للبعثة قدم من يثرب أنس بن رافع وإياس بن معاذ الخزرجيان في نفر من قومهما، على قريش في مكة يلتمسون الحلف مع قريش على قومهم من الخزرج، فسمع بهم الرسول، وجلس إليهم، فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ورجعوا إلى يثرب، فجرت بينهم وبين الأوس وقعة «يوم بعاث». ثم إن قوما من الخزرج قدموا إلى مكة، فلقيهم الرسول ودعاهم إلى الإسلام، وقرأ عليهم القرآن فأسلموا، ووعدوه أن يدعوا قومهم إلى دينه إذا رجعوا إلى يثرب، وأنهم سيقدمون عليه، فلما فارقوا المدينة دأبوا على الدعوة إلى الإسلام، فدخل كثير من الأوس والخزرج، ولم تبق دار في يثرب إلا دخلها الإسلام. فلما كان العام المقبل وافى من مسلمي يثرب اثنا عشر رجلا منهم من لقيهم النبي بالعقبة - وهي المعروفة بالعقبة الأولى - فبايعوه ببيعة النساء - وذلك قبل أن يفترض الحرب - على ألا يشركوا بالله شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه من بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصون الله والرسول في معروف.
ثم إنهم لما انصرفوا إلى قومهم بعث معهم الرسول مصعب بن عمير المقرئ ليعلمهم القرآن، فكان يصلي بهم ويقرئهم، فلما كان الموسم القادم في السنة الثانية خرج في نفر منهم إلى مكة، فقدم على رسول الله ومعه وجوه أهل يثرب، فبايعوا رسول الله بيعة العقبة الثانية، وهي بيعة الحرب بعد أن كانت الأولى بيعة النساء، وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين، فبايعوا على أن يمنعوا رسول الله مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم، وقال لهم الرسول: «أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم.» فأخرجوا أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو، وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصامت، والمنذر بن عمرو من الخزرج، وأسيد بن خضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر من الأوس، وبعضهم يعد أبا الهيثم بن التيهان ولا يعد رفاعة. ثم إن الرسول قال لهم: «أنتم على قومكم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي.» ثم إن القوم قدموا إلى المدينة وأظهروا الإسلام بها.
قال ابن إسحق: فلما أذن الله له
صلى الله عليه وسلم
في الحرب، وتابعه هذا الحي من الأنصار - الأوس والخزرج - على الإسلام والنصرة له ولمن اتبعه، أمر رسول الله أصحابه من أهل مكة بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: «إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها.» فخرجوا أرسالا، وأقام رسول الله بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج، ولم يتخلف معه إلا علي وأبو بكر وبعض من لم يخف على نفسه من إيذاء قريش التي رأت ما تم من أمر الهجرة، فائتمرت يوما في دار الندوة واتفق رأي زعمائها على قتل محمد، وعرف الرسول بذلك، فطلب إلى علي أن ينام في منزله وعلى فراشه، وعزم هو
صلى الله عليه وسلم
على أن يهاجر تلك الليلة من المدينة إلى مكة.
الفصل الثالث
| في القرآن المكي
لقد كان للهجرة النبوية إلى المدينة تأثير في سيرة الإسلام وفي أسلوب القرآن ومضامينه، وقد انطبع النمط القرآني في كل من المدينتين بأسلوب خاص تبعا للظروف الزمانية والمكانية؛ ففي مكة كان الرسول يدعو قريشا إلى نبذ ما هي عليه من عبادات وتقاليد يأباها العقل السليم والإيمان الصحيح، ويناقشها في مزاعمها، وينكر عليها قولها بتعدد الآلهة، وإفسادها جو الكعبة والحرم الأقدس بهذه التماثيل والنصب، ويخوفها عذاب يوم شديد، ويرهبها من نتائج أعمالها وأقوالها، وينذرها بعاقبة وخيمة وبيوم حساب لم تحسب له حسابا، ويطالبها بإنصاف المرأة والرقيق، والإحسان إلى العبد والصديق، والمساواة بين الغني والفقير في أمور الدنيا والدين.