صلى الله عليه وسلم
كانت سننا وسبلا عادية سلك فيها الطريق المستقيم، واتبع أنظمة الكون المألوفة، ونظم شئون بلاده من سياسية واجتماعية واقتصادية محتفظا بالطيب الكامل الذي كان عندها من قبل، نابذا الضار الفاسد، مضيفا إلى ذلك كل ما هو حسن مفيد؛ هذه هي سيرة محمد في أمته. أما سيرته في الأمم الأخرى، فإنه دعاها إلى دينه الذي أمره الله بتبليغه، وهو دين قائم على التوحيد وتقديس النبوات الإلهية السابقة، محي لما اندرس من تعاليمها، آمر بالتوحيد المطلق، ناه عن الشر والفساد، محبذ لكل فضيلة عند تلك الأمم.
وبعد، فهذه هي سيرة النبي الكريم، وتلك هي طرقه وآدابه وإصلاحاته، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا؟! وسترى في هذا الفصل أن النبي الكريم عني بشئون بلاده الاقتصادية والمالية عناية صحيحة، فاستبقى منها ما كان صالحا، واستبعد منها ما كان طالحا.
فأول أعماله المالية أن أوجد الديوان، فسجل فيه أصحاب العطايا، والمشهور أن عمر أول من فعل ذلك، ولا يعقل أن يكون المسلمون ظلوا في عهد الرسول وفي عهد أبي بكر بدون ديوان تسجل فيه أسماء أصحاب العطايا. وقد فتشت طويلا فوجدت في صحيح البخاري حديثا رواه حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس.» فكتب له ألف وخمسمائة رجل. وهذا ولا شك هو أول ديوان في الإسلام. وأغلب الظن أن الرسول استمر في تسجيل ذلك فيما بعد، وأن أبا بكر اتبع سنة الرسول في ذلك، ولما جاء عمر نظمه ووسعه. وأما أقوال أبي هلال العسكري والماوردي في الأحكام السلطانية وغيرهما، أن عمر أول من فعل ذلك، فقول لا يعتمد على حجة، أو لعلهم يقصدون أنه وسعه ونظمه، وإلا فإنه كان موجودا من قبله؛ فقد رأيت في حديث البخاري أن النبي
صلى الله عليه وسلم
هو أول من طلب ذلك. (5-1) أما بيت المال
فالمشهور أيضا أن عمر هو أول من وضعه.
137
وهو غير صحيح أيضا؛ فقد ذكر السيوطي أن أبا هلال العسكري ذكر أن عمر هو أول من اتخذ بيت المال ، وعلق عليه السيوطي بقوله: قلت: بل أبو بكر كما بينته في تاريخ الخلفاء.
138
وأخرج ابن سعد عن سهل بن أبي خيثمة أن أبا بكر كان له بيت مال بالسنح ليس يحرسه أحد، فقيل له: ألا تجعل عليه من يحرسه؟ قال: عليه قفل. فكان يعطي ما فيه حتى يفرغ، فلما انتقل إلى المدينة حوله فجعله في داره، فقدم عليه مال فكان يقسمه على فقراء الناس فيسوي بين الناس في القسم، وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيجعله في سبيل الله ... فلما توفي أبو بكر ودفن دعا عمر الأمناء ودخل بهم في بيت أبي بكر؛ ومنهم عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، ففتحوا بيت المال فلم يجدوا فيه شيئا؛ لا دينارا ولا درهما. وقال الكتاني بعد أن روى قولة ابن سعد هذه: ويمكن الجمع بأن أبا بكر هو أول من اتخذ بيت المال من غير إحصاء ولا تدوين، وعمر أول من دون ذلك. قلت: وهذا قول غريب عجيب، كيف يصدر عن مثل الكتاني في فضله وعلمه! والذي أراه أن الرسول أوجد نوعا من الديوان، فسجل فيه أسماء أصحاب الحقوق في الفيء، كما أنه اتخذ بيته مقرا للأموال، فقد رأينا أن الله لما أفاء عليه أموال بني النضير، أخذ منها لنفسه ولأهله ما يكفيهم مدة سنة، ثم جعل الباقي في الكراع والخيل والسلاح عدة في سبيل الله.
139
ثم جاء أبو بكر فاتخذ بيت المال والديوان، وجاء عمر من بعدهما فنظم ذلك وبدأ بأهل بدر وبني هاشم وبني المطلب ثم الأقرب فالأقرب. وكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم
إذا جاءته الأموال من الفيء قسمه في يومه، فأعطى صاحب الأهل والعيال حظين، وأعطى الأعزب حظا واحدا. وقال أبو يوسف في كتاب الخراج: لم يكن في حياة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
مرتبة معينة للجنود الذين كانوا يتألفون من جميع أمراء المسلمين، وإنما يأخذون مالهم في أربعة أخماس ما يغنمون، وفيما يرد من خراج الأرض التي أبقيت في أيدي أهلها كأرض خيبر. ولما ولي أبو بكر أعطى الناس وسوى بينهم في العطاء قائلا: هذا معاش، فالأسوة فيه خير من الأثرة. فلما ولي عمر رأى في ذلك غير رأي أبي بكر، وقسم العطاء مفضلا الأسبق إلى الإسلام فالأسبق.