صلى الله عليه وسلم : «أهديت عروسك؟» فقالت: نعم. فقال: «فأرسلت معها بغناء، فإن الأنصار يحبونه؟» قالت: لا. فقال: «أدركيها بأرنب - وهي امرأة كانت تغني بالمدينة.» فأدركتها، وكانت من المغنيات المتقنات والجواري الراقصات. ومن الجواري المغنيات في المدينة أيضا زمن الرسول: حمامة وزينب الأنصارية.
131
ولما قدم الرسول إلى المدينة خرج له الغلمان بالدفوف والألحان يحيونه وينشدون:
طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا لله داعي
وخرجت الفتيات يغنين ويقلن:
نحن جوار من بني النجار
يا حبذا محمد من جار
132
ويذكر صاحب الأغاني والإصابة عن ابن عباس أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
مر بحسان بن ثابت وهو بفناء أطمه، ومعه سماطان من أصحابه، وجاريته «سيرين» تغنيهم، فانتهى إليها رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وهي تقول:
هل علي ويحكما
إن لهوت من حرج
فابتسم رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وقال: لا حرج. ولما زفت الفارعة بنت أبي أمامة قال لهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم
ليلة زفافها، قولوا:
أتيناكم أتيناكم
فحيونا نحييكم
ولولا الذهب الأحمر
ما حلت بواديكم
ولولا الحنطة السمرا
ما سمنت عذاريكم
133
ومر ابن عمر مرة في الطريق فرأى الحبش يلعبون، فأخرج درهمين فأعطاهم. لما ختن ابن عباس بنيه أرسلت دعوة للعابين فأعطاهم ابن عباس أربعة دراهم.
134
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال: سابق رسول الله
صلى الله عليه وسلم
بين الخيل التي أضمرت فأرسلها. وكان ابن عمر ممن سابق عليها. وسابق مرة بين الخيل، وكان سهل بن سعد الساعدي على فرس لرسول الله
صلى الله عليه وسلم
اسمه «الظرب»، فسبق الناس وكساه النبي بردا يمانيا، وسابق مرة فسبق أبو أسيد الساعدي على فرس لرسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فلما طلع الفرس على الخيول جثا رسول الله
صلى الله عليه وسلم
على ركبتيه واطلع من الصف، وقال: «كأنه بحر.» وكسا أبا أسيد حلة يمانية. وأباح الرسول السباق والمراهنة في الخيل وكل ذي خف وحافر، أباح الترامي بالنبال، ومما يروى عنه: «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل.» وقال ابن الأثير: «السبق ما يجعل من المال رهنا على المسابقة.» والمعنى: لا يحل أخذ المال بالمسابقة إلا في هذه الثلاثة: الإبل والخيل والسهام. وقد ألحق بها الفقهاء ما كان بمعناها. وفي الحديث: أنه
صلى الله عليه وسلم
أمر بإجراء الخيل وسبقها ثلاثة أعذق من ثلاث نخلات. وقال ابن الأثير: سبق بمعنى أعطى السبق، وقد يكون بمعنى واحد.
135
وقال
صلى الله عليه وسلم : «الهوا والعبوا؛ فإني أكره أن أرى في دينكم غلظة.»
136 (5) الشئون المالية
مما لا شك فيه أن الناس في الجزيرة العربية كانوا قبل زمن النبي
صلى الله عليه وسلم
يعيشون عيشة لها نظم اقتصادية واجتماعية، كان فيهم الأثرياء والتجار المنعمون، ولا شك أيضا في أن هذا الأمر استمر بعد الإسلام؛ لأن النبي لم يهدم كل ما كان في الجاهلية، إنما جاء بفكرته ودينه يدعو الناس إلى الإسلام والدخول في دين الله. ثم إنه - عليه السلام - كان شديد الحرص - كما رأينا في الفصول السابقة - على تقوية أركان حكومته بعد الهجرة وعلى توطيد دعائمها، وجعلها حكومة لها مميزات الحكومات الأخرى الصالحة؛ لهذا نستغرب كل الاستغراب حينما نقرأ بعض الكتب لكتاب مسلمين أو مستشرقين أن حكومة النبي كانت حكومة بدوية خالية من النظم والقوانين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأن العرب كانوا قبله بداة وحوشا يأكل بعضهم بعضا، وأنه استطاع
صلى الله عليه وسلم
أن يجعل منهم كتلة يهاجم بها الأمم المتمدنة، ناسين أو متجاهلين أن النبي بعثه الله على حين فترة من الرسل لينقذ العالم من شروره وضلالاته، وأنه لم يجئ بشيء خارق للعادة ولا بمعجزات فوق قدر البشر سوى هذا القرآن الحكيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه تنزيل من عزيز حميد. أما ما عدا ذلك فإن سننه وسبله