119
وكان الرسول يخرج معه إلى الغزو والجهاد الممرضات، وكان يجعل لهن خياما يمرضن فيها من يجرح أو يصاب في الله. ومن هؤلاء الممرضات رفيدة بنت سعيد الأسلمية الأنصارية وأختها كعيبة؛
120
ففي صحيح مسلم عن عائشة: أن سعد بن معاذ أصيب يوم الخندق، رماه رجل من قريش، فضرب له
صلى الله عليه وسلم
خيمة في المسجد يعوده من قريب. وفي سيرة ابن إسحق: كان رسول الله قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده - عليه السلام - كانت تداوي الجرحى، وتحبس نفسها على خدمة من كان فيه ضيعة - أي مرض - من المسلمين.
121
وكان الرسول يوصي الناس بإتيان الأطباء المهرة المشهود لهم بالبراعة والحكمة والفضل، وقد عقد ابن أبي أصيبعة في كتابه فصلا خاصا بالأطباء الذين كانوا على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم ؛ ومنهم طبيب العرب وحكيمهم وفيلسوفهم الحارث بن كلدة وولده النضر بن الحارث وابن أبي رمثة.
122
وكان
صلى الله عليه وسلم
ينهى مدعي التطبب والكهان والرقاة والسحرة من أن يقوموا بمداواة الناس وإفساد أجسامهم، وإن من فعل شيئا من ذلك وآذى فعليه عقابه. وقد روى أبو داود والنسائي والدارقطني عن عمرو بن شبة أن النبي قال: من تطبب ولم يعلم عنه الطب فهو ضامن. ورواه أبو نعيم: من تطبب ولم يكن بالطب معروفا فأصاب نفسا فما دونها فهو ضامن. وقد علق الشيخ ابن طرخان الحموي على هذا الحديث بقوله: فيه احتياط وتحرز على الناس، وحكم سياسي مع ما فيه من الحكم الشرعي. وقوله: «تطبب»؛ أي تعاطى علم الطب ولم يكن من أهله، ومعناه: من تعاطى علم الطب ولم يتقدم له به استعمال ومزاولة وتدرب مع الفضلاء فقتل بطبه فهو ضامن.
123
وممن كانوا يتعاطون الطب في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم
الشمردل بن قباب الكعبي وضماد بن ثعلبة الأزدي.
124
أما دور الضيافة
فقد أمر النبي باتخاذها، وقد روى ابن هشام أن النبي
صلى الله عليه وسلم
لما فتح الله عليه مكة وفرغ من غزوة تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت، أخذت وفود العرب تتردد عليه من كل وجه، وكان ذلك في السنة التاسعة للهجرة النبوية، وكانت تسمى سنة الوفود، فأمر الرسول ببناء الدور لإنزال هؤلاء الوفود وإكرامهم. وقال السمهودي: إن من دور عبد الرحمن بن عوف التي اتخذها، الدار التي يقال لها الدار الكبرى؛ دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وإنها سميت «بالدار الكبرى»؛ لأنها أول دار بناها أحد المهاجرين بالمدينة، وكان عبد الرحمن ينزل فيها ضيوف رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وكانت تسمى أيضا دار الضيفان.
125
ومن الدور التي كان النبي ينزل فيها ضيفانه دار رملة بنت الحارث النجارية،
126
وفيها أنزل الرسول وفد بني تميم وبني كلاب وبني قريظة وبني حنيفة. ومنها دور أبي أيوب الأنصاري ويزيد بن أبي سفيان وأم شريك.
127
وكان يضرب لهم الخيام والقباب في ناحية المسجد النبوي فينزلون فيها، ويبعث إليهم بطعامهم، ويجزل جائزتهم وتزويدهم حين سفرهم.
128
وأما القيام بما فيه الترويح عن النفس
من الحفلات البريئة والمسابقات الرياضية، فقد أباحه
صلى الله عليه وسلم . قال الغزالي في تعديد مزايا النبي الكريم ومحاسن أخلاقه، نقلا عن بعض العلماء: كان يمزح ولا يقول إلا حقا، ويضحك من غير قهقهة، يرى اللعب المباح فلا يكرهه، ويسابق أهله.
129
وفي حديث عائشة - رضي الله عنها: قدم وفد من الحبشة على النبي
صلى الله عليه وسلم
فجعلوا يزفنون ويلعبون؛ أي يرقصون، والنبي
صلى الله عليه وسلم
لا يمنعهم من ذلك، بل كان يبتسم.
130
وفي الصحيحين للبخاري ومسلم أن عائشة قالت: جاء الحبش يزفنون في يوم عيد في المسجد، فدعاني
صلى الله عليه وسلم
فوضعت رأسي على منكبه، فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا الذي أنصرف عن لعبهم. وفيهما أيضا: أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تغنيان وتضربان الدف، ورسول الله مسجى بثوبه، فانتهرها أبو بكر، فكشف رسول الله رأسه وقال: «دعها يا أبا بكر، فإنها أيام عيد.» وروى الطبراني عن أم سلمة قالت: دخلت علي جارية لحسان بن ثابت يوم فطر ناشرة شعرها معها دف، فزجرتها، فقال رسول الله: «دعيها يا أم سلمة ، فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا.» وروى جابر بن عبد الله: أن بعض الأنصار نكح بعض أهل عائشة، فقال لها رسول الله