105
وبعث
صلى الله عليه وسلم
يوم غزوة هوازن «عبد الله بن أبي حدرد»، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ويأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد حتى دخل فيهم، فأقام بينهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا عليه من حرب رسول الله ...
106
وممن بعثهم الرسول يتجسسون له على قريش «أمية بن خويلد» و«بشر بن سفيان العتكي»، و«جبلة بن عامر البلوي» تجسس له يوم الأحزاب، و«خبيب بن عدي». وروى البخاري أن للنبي
صلى الله عليه وسلم
عشرة رهط عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت.
107
ومن مكائده في حروبه
صلى الله عليه وسلم
اتخاذ المخذلين في صفوف أعدائه؛ لما في ذلك من تضعيف أمرهم وإفساد قلوبهم؛ فقد روى ابن سعد: أن النبي
صلى الله عليه وسلم
بعث نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي إلى صفوف الأحزاب يخذلهم عن المسلمين، فأوقع بين قريش وبين قريظة وبين غطفان حتى صرف الله كيدهم عن المسلمين.
108
وقد قدمنا تفصيل ذلك في كلامنا عن غزوة الأحزاب. ونقل الكتاني عن كتاب العلل لأبي حاتم: عن النواس بن سجعان قال: بعث النبي
صلى الله عليه وسلم
سرية فقال لها: «تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار، إن كل كذب مكتوب كذبا لا محالة، إلا أن يكذب الرجل في الحرب؛ فإن الحرب خدعة.»
109
ومن مكايد الحروب إحراق الأشجار وتقطيعها؛ لإفساد أمر العدو وعدم تمكينهم من الاحتماء بها، فقد روى مسلم في صحيحه: عن عبد الله بن عباس أن النبي
صلى الله عليه وسلم
أمر بإحراق نخيل بني النضير، وعهد بذلك إلى أبي ليلى المزني وعبد الله بن سلام، فأنزل الله عز وجل الآية:
ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين .
110
ومن مكائده في الحروب أنه كان يجعل لكل غزاة شعارا وكلمة يتعارفون بها في الحروب، ويتداعى بها كل فريق، وهو الذي يقابله عند الأجانب في العصور الحاضرة ما يسمى بال
Mot d’ordre ، فمن شعاراته
صلى الله عليه وسلم : «يا كل خير»، و«يا أصحاب سورة البقرة»، و«يا حلال»، و«أنت أنت»، و«يا منصور أمنت»، و«هم لا ينصرون»، و«يا منصور». قال ابن عباس: وكان الشعار يوم بدر: «يا منصور»، ويوم حنين: «هم لا ينصرون»، وشعارهم يوم انهزموا: «يا أصحاب سورة البقرة»؛ تخصيصا لهم. وقال بعض الشافعية، وقد ذكر الحقوق المرتبة على أمير الجيش لهم، فعد منها: أن يجعل لكل طائفة شعارا يتداعون به ليصيروا به متميزين، وبالاجتماع به متظافرين.
111
معاملته
صلى الله عليه وسلم
للأسرى والكفار
كان الرسول الكريم منصفا مع خصومه على الرغم من اشتدادهم عليه ومحاولتهم الفتك به وقتله، ولم يعلم عنه
صلى الله عليه وسلم
أنه قتل أحدا في حروبه إلا أبي بن خلف، وكان في كل حالاته داعية خير كارها للدماء والقتل، لا يترك فرصة - حتى في خلال المعارك - يدعو فيها خصومه إلى اعتناق الدين القويم. ولما أتم الله للمسلمين فتح مكة ووقع أهلها أسرى في يد المسلمين عفا عنهم، وقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء.» وكان من عاداته
صلى الله عليه وسلم
إذا جاءه الأسرى أن يجعل عليهم رجلا يراقب أحوالهم؛ ومن هؤلاء «أسلم بن بحرة الأنصاري»، وقد جعله على أسرى بني قريظة من اليهود. ومنهم «بديل بن ورقاء»، جعله النبي
صلى الله عليه وسلم
على الأسرى والأموال بالجعرانة. ومنهم «بريدة بن الحصيب»، جعله النبي
صلى الله عليه وسلم
على أسرى المريسيع. ومنهم «شقران» مولى النبي، استعمله على جميع ما وجد في رجال أهل المريسيع من المتاع والسلاح والغنم والشاء .
في أدب الجهاد
أوجب النبي الجهاد على كل قادر عليه؛ تلبية لأمير المسلمين وإعلاء كلمة الله. والواجب على كل من يخرج للجهاد أن يكون خروجه لله ولإعزاز دينه، لا للتفاخر ولا طلبا للغنائم؛ فقد روى أبو موسى الأشعري عن النبي: أنه جاءه رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال الرسول