صلى الله عليه وسلم
على ما يحتاج إليه من معرفة أحوالهم.
تقاليد النبي في جيوشه
كان للنبي إذا عزم الخروج في غزوة تقاليد قلما تخطاها، فمن ذلك أنه كان يستخلف على المدينة أميرا يعهد إليه بالصلاة في القوم والحكم بينهم والمحافظة على شئون المدينة، وقد استخلف عبد الله بن أم مكتوم ثلاث عشرة مرة على المدينة، وممن استخلفهم عليها أيضا «أبو لبابة» و«جعال بن سراقة الضمري» و«سباع بن عرفطة الغفاري» و«أبو رهم الغفاري» و«علي بن أبي طالب». ومن تقاليده في ذلك أنه كان يستخلف على أسرته من أولي قرابته ليقوم بشئونهم ويقضي حاجاتهم؛ فقد استخلف عليا في غزوة تبوك وخلفه على عياله، وكان أكثر غزواته يستخلف حسان بن ثابت عليهم ويبعث بهم إلى أطمه؛ لأنه كان من أحصن آطام المدينة. ومن تلك التقاليد أنه يعرض جنده قبل السفر إلى الغزو أو في أوقات أخرى؛ ليتأكد من استعدادهم للحرب وقوتهم المعنوية؛ فقد روى ابن عبد البر عن سمرة بن جندب: أن النبي كان يعرض غلمان الأنصار كل عام، فمر به غلام فأجازه في البعث، وعرض عليه سمرة بن جندب من بعده فرده
صلى الله عليه وسلم
لصغر سنه ولضعفه، قال سمرة: فقلت: يا رسول الله، لقد أجزت غلاما ورددتني، ولو صارعني لصرعته. قال النبي: «فصارع.» قال سمرة: فصارعته فصرعته، فأجازني في البعث.
91
وقال الإمام الشافعي: رد
صلى الله عليه وسلم
سبعة عشر صحابيا عرضوا عليه أبناء أربع عشرة سنة؛ لأنه لم يرهم بلغوا السن، وعرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة سنة فأجازهم. وقال البرهان: ويحتمل أن يزيد ردهم في أحد، ويحتمل مجموع من رده في هذه السن في غزواته.
92
وكان
صلى الله عليه وسلم
في العرض يقف الناس أمامه صفوفا صفوفا؛ ففي طبقات ابن سعد الكبرى قصة قدوم العباس بن مرداس السلمي على رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في تسعمائة من قومه على الخيول والقنا والدروع الظاهرة ليحضروا معه غزوة الفتح، قال العباس: فصفنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وإلى جنبه أبو بكر وعمر.
93
وكان من عاداته في ذلك
صلى الله عليه وسلم
أن يسأل كل من يريد الغزو عن أهله، فإن لم يكن لهم من يعولهم سواه رده، وإن كان صغيرا سأله هل أذن له أبواه في الخروج، فإن قال بالنفي رده وقال له: فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد وإلا برهما. وأخرج الإمام أحمد والنسائي عن معاوية السلمي: أن رجلا جاء إلى النبي
صلى الله عليه وسلم
فقال: أريد الغزو، وجئتك أستشيرك. فقال الرسول: «وهل لك من أم؟» قال: نعم. قال الرسول: «الزمها؛ فإن الجنة تحت أقدام الأمهات.»
94
وكان من عادته أنه إذا رجع من غزوة أو حرب أو حج أو عمرة وأقبل على المدينة، أنه كان يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (الموطأ). وربما نصب للنبي عريش عال يشرف منه على العسكر، وقد فعل ذلك في غزوة بدر، كما أشار عليه بذلك سعد بن معاذ. ومن ذلك أنه كان يقسم الجيش، ويعرف العرفاء في الجيش، ويرتب الأجناد، وغير ذلك مما فيه تنظيم شئون القتال.
أقسام الجيش
كان العرب يسمون الجيش خميسا؛ لأنهم كانوا يقسمونه إلى خمسة أقسام: ميمنة، وميسرة، ومقدمة، ومؤخرة، وقلب، وربما قالوا: المجنبة اليسرى، والمجنبة اليمنى، والمقدمة، والساقة، والوسط. وكان من عادتهم أن يكون الأمير في القلب.
قال ابن هشام في أثناء فتح مكة: إن عبد الله بن أبي نجيح روى أن رسول الله حين فرق جيشه من «ذي طوى»، أمر الزبير بن العوام أن يدخل بعض الناس من «كدى»، وكان الزبير على المجنبة اليسرى ، وأمر سعد بن عبادة الأنصاري أن يدخل في بعض الناس من «كدى»، وكان خالد على المجنبة اليمنى وفيها أسلم وغفار وسليم ومزينة وجهينة وقبيل من العرب. وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين بين يدي الرسول